اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

ورثة الأنبياء شرح حديث أبي الدرداء

زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي
ورثة الأنبياء شرح حديث أبي الدرداء - زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي
فالعالم إذا عَلَّم من يقوم به بعده؛ فقد خلف علمًا نافعًا وصدقة جارية؛ لأنّ تعليم العِلْم صدقة، كما سبق عن معاذ وغيره، والذين علمهم بمنزلة أولاد الصالحين يدعون له، فيجتمع له بتخليف علمه هذه الخصال الثلاث.
والأمر الثاني: أن من كمال ميراث العالم للرسول -﵇- أن لا يخلف الدنيا كما لم يخلفها الرسول، وهذا من جملة الاقتداء بالرسول وبسنته في زهده في الدنيا، وتقلله منها، واجتزائه منها باليسير.
كما كان سهل التستري يقول: مِنْ عَلاَمَةِ حُبِّ السُّنَّةِ حُبُّ الآخِرَةِ وَبُغْضُ الدُّنْيَا، وألا يأخذ مِنْهَا إِلاَّ زَادًا بُلْغَةً إِلَى الآخِرَةِ.
وقال مالك بن دينار: إِنَّمَا العَالِمُ الَّذِي إِذَا أَتَيْتَهُ فِي بَيْتِهِ فَلَمْ تَجِدْهُ قَصَّ عَلَيْكَ بَيْتِهِ، رَأَيْتَ حَصِيرَةَ الصَّلاةِ وَمُصْحَفِهِ وَمَطْهَرَتَهُ فِي جَانِبِ البَيْتِ، تَرَى أَثَرَ الآخِرَةِ.
وكان الفضيل يقول: احْذَرُوا عَالِمَ الدُّنْيَا لاَ يَصُدَّكُمْ بِسُكْرِهِ. ثم قال: إِنَّ كثيرًا مِنْ عُلَمَائِكُمْ زِيُّهُ أَشْبَهَ بِزِيِّ كِسْرَى وَقَيْصَر، أَشْبَهُ مِنْهُ بِزِيِّ مُحَمَّد -ﷺ-، إِنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَضَعْ لَبِنَةً عَلَى لَبِنَةٍ، وَلاَ قَصَبَةً عَلَى قَصَبَةٍ، وَلَكِنْ رُفِعَ لَهُ عَلَمٌ فَشَمَّرَ إِلَيْهِ".
وكان يقول: العُلَمَاءُ كَثِيرٌ وَالحُكَمَاءُ قَلِيلٌ، وَإِنَّمَا يُزَادُ مِنَ العِلْمِ الحِكْمَةُ، فَمَنْ أُوتِيَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا.
وهكذا كان حال العُلَمَاء الربانيين كالحسن وسفيان وأحمد، اجتزءوا من الدنيا باليسير إلى أن خرجوا منها، ولم يخلفوا سوى العِلْم، مع أن بعضهم كان يلبس لباسًا حسنًا، ويأكل أكلًا متوسطًا بعيدًا من التقشف.
كالحسن البصري؛ فإنه كان يأكل اللحم كل يوم، كان يشتري بنصف درهم لحمًا فيطبخه مرقة طيبة فيأكل منه هو وعياله، ويُطْعِمُ كل من دخل عليه، وكان يلبس الثياب الحسنة، وهو مع هذا أزهد الناس في الدنيا، وما زاحم على شيء منها قط.
53
المجلد
العرض
80%
الصفحة
53
(تسللي: 48)