أيقونة إسلامية

تفسير المنار

محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني
تفسير المنار - محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني
إِلَى امْرَأَتِهِ وَيُدْخِلَ السُّرُورَ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا الْهَوَى الْمَذْمُومُ فِي الْإِسْلَامِ هُوَ الْهَوَى الْبَاطِلُ، كَأَنْ يَتَزَيَّنَ الرَّجُلُ وَيَتَطَيَّبَ لِلْمُفَاخَرَةِ وَالْمُبَاهَاةِ، أَوْ لِيَسْتَمِيلَ إِلَيْهِ النِّسَاءَ الْأَجْنَبِيَّاتِ عَنْهُ، وَبِذَلِكَ تَكُونُ الزِّينَةُ مَذْمُومَةً شَرْعًا وَ«إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» .
دَعَا هَذَانِ النَّبِيَّانِ الْعَظِيمَانِ لِأَنْفُسِهِمَا بِحَقِيقَةِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ دَعَوَا بِذَلِكَ لِذَرِّيَّتِهِمَا فَقَالَا: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ) أَيْ وَاجْعَلْ مِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ كَإِسْلَامِنَا لِيَسْتَمِرَّ الْإِسْلَامُ لَكَ بِقُوَّةِ الْأُمَّةِ وَتَعَاوُنِ الْجَمَاعَةِ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: أَضَافَا الذُّرِّيَّةَ إِلَى ضَمِيرِ الِاثْنَيْنِ لِلدِّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الذُّرِّيَّةُ الَّتِي تُنْسَبُ إِلَيْهِمَا مَعًا وَهِيَ مَا يَكُونُ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، اللَّفْظُ ظَاهِرٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَيُرَجِّحُهُ الْحَالُ وَالْمَحِلُّ الَّذِي كَانَا فِيهِ، وَعَزْمُ إِبْرَاهِيمَ عَلَى أَنْ يَدَعَ إِسْمَاعِيلَ فِي بِلَادِ الْعَرَبِ دَاعِيًا إِلَى تَوْحِيدِ اللهِ، وَإِسْلَامِ الْقَلْبِ إِلَيْهِ، وَيَرْجِعَ هُوَ إِلَى بِلَادِ الشَّامِ، وَكَذَلِكَ الدُّعَاءُ لِهَذِهِ الذُّرِّيَّةِ بِأَنْ يَبْعَثَ اللهُ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ كَمَا سَيَأْتِي.
وَقَدِ اسْتَجَابَ اللهُ - تَعَالَى - دُعَاءَ إِبْرَاهِيمَ وَوَلَدِهِ - ﵉، وَجَعَلَ فِي ذُرِّيَّتِهِمَا أُمَّةَ الْإِسْلَامِ، وَبَعَثَ فِيهَا مِنْهَا خَاتَمَ النَّبِيِّينَ - ﵊، وَإِلَى هَذَا الدُّعَاءِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ فِي سُورَةِ الْحَجِّ: (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ) (٢٢: ٧٨) وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِسْلَامِ
مَعْنَاهُ الَّذِي شَرَحْنَاهُ، فَمَنْ قَامَ بِهِ هَذَا الْمَعْنَى فَهُوَ الْمُسْلِمُ فِي عُرْفِ الْقُرْآنِ، وَلَيْسَ الْمُرَادَ بِهِ اسْمٌ فِي حُكْمِ الْجَامِدِ يُطْلَقُ عَلَى أُمَّةٍ مَخْصُوصَةٍ حَتَّى يَكُونَ كُلُّ مَنْ يُولَدُ فِيهَا أَوْ يَقْبَلُ لَقَبَهَا مُسْلِمًا ذَلِكَ الْإِسْلَامَ الَّذِي نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ، وَيَكُونُ مِنَ الَّذِينَ تَنَالُهُمْ دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ - ﵊ -، وَقَدْ جَرَى إِبْرَاهِيمُ وَوَلَدُهُ عَلَى سُنَّةِ الْفِطْرَةِ فِي هَذَا الدُّعَاءِ أَيْضًا، فَخَصَّاهُ بِبَعْضِ الذُّرِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِنْهَا مَنْ لَا يَتَنَاوَلُ الْإِسْلَامَ.
(وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا) أَيْ عَلِّمْنَا إِيَّاهَا عِلْمًا يَكُونُ كَالرُّؤْيَةِ الْبَصَرِيَّةِ فِي الْجَلَاءِ وَالْوُضُوحِ، وَالْمَنَاسِكُ: جَمْعُ مَنْسَكٍ بِفَتْحِ السِّينِ فِي الْأَفْصَحِ مِنَ النُّسُكِ (بِضَمَّتَيْنِ) وَمَعْنَاهُ غَايَةُ الْعِبَادَةِ، وَغَلَبَ اسْتِعْمَالُ النُّسُكِ فِي عِبَادَةِ الْحَجِّ خَاصَّةً، وَالْمَنَاسِكِ فِي مَعَالِمِهِ أَوْ أَعْمَالِهِ، (وَتُبْ عَلَيْنَا) أَيْ وَفِّقْنَا لِلتَّوْبَةِ لِنَتُوبَ وَنَرْجِعَ إِلَيْكَ مِنْ كُلِّ حَالٍ أَوْ عَمَلٍ يَشْغَلُنَا عَنْكَ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا) (٩: ١١٨) أَوِ الْمَعْنَى: اقْبَلْ تَوْبَتَنَا، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: «وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ» وَتَابَ - بِالْمُثَنَّاةِ - كَثَابَ (بِالْمُثَلَّثَةِ) وَمَعْنَاهُ: رَجَعَ. وَيُقَالُ: تَابَ الْعَبْدُ: إِلَى رَبِّهِ أَيْ رَجَعَ
387
المجلد
العرض
69%
الصفحة
387
(تسللي: 386)