اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

تفسير المنار

محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني
تفسير المنار - محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني
وَقَدْ أَوْرَدَ الشَّافِعِيُّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي زَعَمُوا أَنَّهَا نَاسِخَةٌ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَبَيَّنَ أَنَّهَا غَيْرُ نَاسِخَةٍ بَلْ بَيَّنَ أَنَّهَا مُفَسِّرَةٌ وَمُبَيِّنَةٌ (قَالَ الْأُسْتَاذُ): وَلَا أَعْرِفُ لِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلًا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَالْأُصُولِيُّونَ الْمُتَقَدِّمُونَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ لَا يَقُولُونَ بِنَسْخِ الْقُرْآنِ بِغَيْرِ الْمُتَوَاتِرِ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَإِنِ اشْتُهِرَ بِنَحْوِ رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ وَأَصْحَابِ السُّنَنِ لَهُ، وَالدَّلِيلُ ظَاهِرٌ ; فَإِنَّ الْقُرْآنَ مَنْقُولٌ بِالتَّوَاتُرِ فَهُوَ قَطْعِيٌّ، وَأَحَادِيثُ الْآحَادِ ظَنِّيَّةٌ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَكْذُوبَةً مِنْ بَعْضِ رِجَالٍ السَّنَدِ الْمُتَظَاهِرِينَ بِالصَّلَاحِ لِخِدَاعِ النَّاسِ اهـ.
أَقُولُ: وَهُنَاكَ تَمْيِيزٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ كُلَّ مَا فِي الْقُرْآنِ وَحْيٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى قَطْعًا، وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ فَإِنَّ فِيهَا مَا هُوَ مِنِ اجْتِهَادِ النَّبِيِّ - ﵊ - وَهُوَ دُونَ الْوَحْيِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ النَّبِيَّ إِذَا أَخْطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ لَا يُقَرُّ عَلَى الْخَطَأِ بَلْ يُبَيَّنُ لَهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى) (٨: ٦٧) وَقَوْلِهِ: (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) (٩: ٤٣) .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُنْسَخُ الْكِتَابُ بِالسُّنَّةِ وَلَوْ خَبَرِ آحَادٍ ; لِأَنَّ دَلَالَةَ الْآيَةِ عَلَى الْحُكْمِ ظَنِّيَّةٌ فَكَأَنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَنْسَخْ إِلَّا حُكْمًا ظَنِّيًّا، وَفَاتَهُمْ أَنَّ دَلَالَةَ الْحَدِيثِ أَيْضًا ظَنِّيَّةٌ، فَكَأَنَّنَا نَنْسَخُ حُكْمًا ظَنِّيًّا إِسْنَادُهُ إِلَى الشَّارِعِ قَطْعِيٌّ بِحُكْمٍ ظَنِّيٍّ إِسْنَادُهُ إِلَيْهِ غَيْرُ قَطْعِيٍّ، بَلْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهِ، أَوْ قَالَهُ رَأْيًا لَا تَشْرِيعًا. وَلَمَّا كَانَ الْخِلَافُ هُنَا ضَعِيفًا جِدًّا احْتَاجَ الْقَائِلُونَ بِنَسْخِ حَدِيثِ «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» لِآيَةِ الْوَصِيَّةِ إِلَى زَعْمِ تَوَاتُرِهِ بِتَلَقِّي الْأُمَّةِ لَهُ بِالْقَبُولِ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ وَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ الْخِلَافَ فِي نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ إِنَّمَا هُوَ فِي الْجَوَازِ وَأَنَّهُ غَيْرُ وَاقِعٍ قَطْعًا.
وَقَالُوا أَيْضًا: إِنَّ السُّنَّةَ لَا تَنْسَخُ الْكِتَابَ إِلَّا وَمَعَهَا كِتَابٌ يُؤَيِّدُهَا، وَالظَّاهِرُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْكِتَابَ نَسَخَ الْكِتَابَ ; لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَكَأَنَّهُمْ أَرَادُوا تَصْحِيحَ قَوْلِ مَنْ قَالَ بِالنَّسْخِ تَعْظِيمًا لَهُ أَنْ يُرَدَّ قَوْلُهُ، وَتَعْظِيمُ اللهِ تَعَالَى أَوْلَى،
ثُمَّ تَعْظِيمُ رَسُولِهِ يَتْلُو تَعْظِيمَهُ وَلَا يَبْلُغُهُ، وَإِنَّمَا يُطَاعُ الرَّسُولُ وَيُتَّبَعُ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى.
وَمِنْ أَغْرَبِ مَبَاحِثِ الْنَسْخِ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ - الَّذِينَ يُبَالِغُ إِمَامُهُمْ فِي الِاتِّبَاعِ فَيَمْنَعُ نَسْخَ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ، ثُمَّ هُوَ يُبَالِغُ فِي تَعْظِيمِ السُّنَّةِ وَاتِّبَاعِهَا وَلَا يُبَالِي بِرَأْيِ أَحَدٍ يُخَالِفُهَا، ثُمَّ هُوَ يَقُولُ إِنَّ الْقِيَاسَ لَا يُصَارُ إِلَيْهِ إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ كَمَا رَوَاهُ عَنْهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - يَقُولُ بَعْضُهُمْ إِنَّ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ يَنْسَخُ السُّنَّةَ مَعَ أَنَّ الْبَحْثَ فِي الْعِلَّةِ أَمْرٌ عَقْلِيٌّ يَجُوزُ أَنْ يُخْطِئَ فِيهِ كُلُّ أَحَدٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا فَهِمْنَاهُ مِنْ عُمُومِ الْعِلَّةِ غَيْرَ مُرَادٍ لِلشَّارِعِ، فَإِذَا جَاءَ الْحَدِيثُ يُنَافِي هَذَا الْعُمُومَ وَصَحَّ عِنْدَنَا، فَالْوَاجِبُ أَنْ نَجْعَلَهُ مُخَصِّصًا لِعِلَّةِ عُمُومِ الْحُكْمِ، وَلَا نَقُولَ - رَجْمًا بِالْغَيْبِ - إِنَّهُ مَنْسُوخٌ لِمُخَالَفَتِهِ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ظَنَنَّاهَا، فَإِذَا كَانَتِ الْمُجَازَفَةُ فِي الْقِيَاسِ قَدْ وَصَلَتْ إِلَى هَذَا الْحَدِّ وَقَدْ تَجَرَّأَ النَّاسُ عَلَى الْقَوْلِ بِنَسْخِ مِئَاتٍ مِنَ الْآيَاتِ، وَإِلَى إِبْطَالِ الْيَقِينِ بِالظَّنِّ،
113
المجلد
العرض
92%
الصفحة
113
(تسللي: 514)