اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

الفرقان لاختصار منافل العرفان في علوم القرآن

صلاح أبو الحاج
الفرقان لاختصار منافل العرفان في علوم القرآن - صلاح أبو الحاج

المبحث الرابع عشر النسخ

ومعناه في حق العباد: أن يَدُلَّ على خلافِ حكمِ شرعيٍّ دليلٌ شرعيٌّ متراخٍ (¬1).
وهذا تفريق دقيق يحلُّ أصل الإشكال، فالنسخ في حقّ الله - عز وجل - هو بيان لانتهاء العمل بحكم شرعيّ، فلا يلحقه الشّارع به نقصٌ؛ لأنه أخبرنا عن توقف العمل به، وأمَّا في حقِّ البشر فإننا نرى دليلاً متأخراً يلغي حكماً في دليل مُتقدِّم، وهذا ما يظهر لنا؛ لأننا لم نطلع على علم الله - عز وجل -، فكان مردّ الأمر عندنا لتعارض أدلة متقدّمة ومتأخرة، فنجعل المتأخر ناسخاً للمتقدم إن عارضه.
ففي هذه التعاريف دفع ظاهر للبداء، وتقرير لكون النسخ تبديلاً في حقّنا بياناً محضاً في حق صاحب الشرع.
* ثانياً: الإجماع على تحقق النسخ:
فالنسخُ جائزٌ عقلاً وواقعٌ سمعاً، وعليه إجماع المسلمين من قبل أن يظهر أبو مسلم الأصفهاني، ومَن شايعه؛ لقوله - عز وجل -: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)} [فصلت:42]، وشبهته في الاستدلال أن هذه الآية تفيد أن أحكام القرآن لا تبطل أبداً، والنسخ فيه إبطال لحكم سابق، ويجاب عنه:
أ. أنه لو كان معنى الباطل في الآية هو متروك العمل به مع بقاء قرآنيته، لكان دليله قاصراً عن مدعاه؛ لأن الآية لا تفيد حينئذٍ إلا امتناع نوع خاص من النسخ، وهو نسخ الحكم دون التلاوة، فإنه وحده هو الذي يترتب عليه وجود متروك العمل في القرآن، أما نسخ التلاوة مع الحكم أو مع بقائه فلا تدل الآية على امتناعه بهذا التأويل.
ب. أن معنى الباطل في الآية ما خالف الحقّ، والنسخ حقّ، ومعنى الآية أنّ عقائد القرآن موافقة للعقل، وأحكامه مسايرة للحكمة، وأخباره مطابقة للواقع، وألفاظه محفوظة من التغيير والتبديل، ولا يمكن أن يتطرق إلى ساحته الخطأ بأي حال {إِنَّا
¬__________
(¬1) ينظر: مسار الوصول إلى علم الأصول ص 172.
المجلد
العرض
55%
تسللي / 239