اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

الحاوي للفتاوي

عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي
الحاوي للفتاوي - عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي
الْبَلَدِ كُلِّهَا وَيَمْنَعُ بَقِيَّةَ الْخَلْقِ عَنْهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يُشْهَرَ هَذَا الْحُكْمُ لِيَحْذَرَ مَنْ يُقْدِمُ عَلَيْهِ كَائِنًا مَنْ كَانَ، وَيُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى أَنَّهَا مُبْقَاةٌ عَلَى الْإِبَاحَةِ كَالْمَوَاتِ وَأَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ يَشْتَرِكُونَ فِيهَا، وَتُفَارِقُ الْمَوَاتَ فِي أَنَّهَا لَا تُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ وَلَا تُبَاعُ، وَلَا تُقْطَعُ وَلَيْسَ لِلسُّلْطَانِ تَصَرُّفٌ فِيهَا، بَلْ هُوَ وَغَيْرُهُ فِيهَا سَوَاءٌ، فَإِنْ وَجَدْنَا نَهْرًا صَغِيرًا بِيَدِ قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ مُسْتَوْلِينَ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِمْ فَهُوَ مِلْكُهُمْ يَتَصَرَّفُونَ فِيهِ بِمَا شَاؤُوا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِلْكًا وَلَكِنْ فِيهِ مُشَارِبُ لِقَوْمٍ مَخْصُوصِينَ فَحُقُوقُهُمْ فِيهِ عَلَى تِلْكَ الْمَشَارِبِ يَتَصَرَّفُونَ فِيهَا بِالطَّرِيقِ الشَّرْعِيِّ - هَذَا كُلُّهُ كَلَامُ السبكي، وَهُوَ تَصْرِيحٌ بِالنَّقْلِ عَنْ مَذْهَبِنَا أَنَّ النَّهْرَ لَهُ حَرِيمٌ لَا يَجُوزُ تَمَلُّكُهُ وَلَا إِحْيَاؤُهُ وَلَا الْبِنَاءُ فِيهِ وَلَا بَيْعُهُ وَلَا إِقْطَاعُهُ، وَقَالَ فِي فَتَاوِيهِ: الْأَنْهَارُ وَمَجَارِيهَا الْعَامَّةُ لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً بَلْ هِيَ إِمَّا مُبَاحَةٌ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ تَمَلُّكُهَا وَإِمَّا وَقْفٌ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَنْهَارَ الْكِبَارَ كَالنِّيلِ وَالْفُرَاتِ مُبَاحَةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْفُقَهَاءُ فِي كُتُبِهِمْ، وَلَا يَجُوزُ تَمَلُّكُ شَيْءٍ مِنْهَا بِالْإِحْيَاءِ لَا بِالْبَيْعِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَلَا بِغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ حَافَاتُهَا الَّتِي عُمُومُ النَّاسِ إِلَى الِارْتِفَاقِ بِهَا لِأَجْلِهَا، وَالْأَنْهَارُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي حَفَرَهَا قَوْمٌ مَخْصُوصُونَ مُعَرَّفُونَ مَمْلُوكَةٌ لَهُمْ كَسَائِرِ الْأَمْلَاكِ الْمُشْتَرَكَةِ انْتَهَى بِحُرُوفِهِ، وَهُوَ تَصْرِيحٌ بِالنَّقْلِ عَنِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ حَافَاتِ النِّيلِ لَا يَجُوزُ تَمَلُّكُهَا وَلَا إِحْيَاؤُهَا.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ: فَرْعٌ: شَخْصٌ أَرَادَ أَنْ يَغْرِسَ عَلَى حَرِيمِهِ عَلَى مَاءٍ جَارٍ شَجَرَةً، جَازَ وَإِنْ كَانَ النَّهْرُ مُشْتَرَكًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَضُرُّ بِهِمْ كَمَا يَتَّخِذُ عَلَى بَابِ دَارِهِ مَشْرَعًا، وَفِي فَتَاوَى القفال: رَجُلٌ لَهُ دَارٌ فِي مَوْضِعٍ وَيَجْرِي نَهْرٌ عَلَى بَابِ دَارِهِ فَأَرَادَ أَنْ يَغْرِسَ شَجَرَةً عَلَى جَانِبِ النَّهْرِ بِحِذَاءِ دَارِهِ لَمْ يَجُزْ فَقِيلَ لَهُ: هَذَا كَمَا لَوْ بَنَى دَكَّةً فِي الشَّارِعِ فَقَالَ: لَيْسَ كَذَلِكَ انْتَهَى.
فَإِذَا مَنَعَ القفال مِنْ غَرْسِ شَجَرَةٍ فَمَا ظَنُّكَ بِالْبِنَاءِ؟ وَقَالَ الزركشي فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ: حَافَاتُ النِّيلِ وَالْفُرَاتِ لَا يَجُوزُ تَمَلُّكُ شَيْءٍ مِنْهَا بِالْإِحْيَاءِ وَلَا بِالِابْتِيَاعِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَلَا غَيْرِهِ، قَالَ: وَقَدْ عَمَّتِ الْبَلْوَى بِالْأَبْنِيَةِ عَلَى حَافَاتِ النِّيلِ كَمَا عَمَّتْ بِالْقَرَافَةِ مَعَ أَنَّهَا مُسَبَّلَةٌ، وَذَكَرَ الدميري فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ نَحْوَ ذَلِكَ، وَقَدْ رَاجَعْتُ نَصَّ الشَّافِعِيِّ فَوَجَدْتُهُ نَصَّ فِي مُخْتَصَرِ المزني وَفِي الْأُمِّ عَلَى أَنَّ النَّهْرَ وَالْمَاءَ الظَّاهِرَ لَا يَمْلِكْهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، وَلَا يَصِحُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُقْطِعَهُ بِحَالٍ، وَالنَّاسُ فِيهِ شَرْعٌ وَالْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ شُرَكَاءُ فِي ذَلِكَ
160
المجلد
العرض
34%
الصفحة
160
(تسللي: 157)