اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

الحاوي للفتاوي

عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي
الحاوي للفتاوي - عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي
إِنَّ امْرَأَتِي تَطْلُبُ مِنِّي الطَّلَاقَ وَلَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أُطَلِّقَهَا، فَأَتَلَفَّظُ بِهَا قَطْعًا لِعِلَّتِهَا وَتَلَفَّظَ وَشَهِدُوا بِذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ، لَا يُحْكَمُ بِالطَّلَاقِ، وَكَانَ فِي الِابْتِدَاءِ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْجَاهِلِ وَالْعَالِمِ كَمَا هُوَ جَوَابُ شمس الأئمة الحلواني، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَا قُلْنَا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.

[الْمُنْجَلِي فِي تَطَوُّرِ الْوَلِيِّ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، رُفِعَ إِلَيَّ سُؤَالٌ فِي رَجُلٍ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّ وَلِيَّ اللَّهِ الشيخ عبد القادر الطشطوطي بَاتَ عِنْدَهُ لَيْلَةَ كَذَا، فَحَلَفَ آخَرُ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ بِعَيْنِهَا، فَهَلْ يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَى أَحَدِهِمَا أَمْ لَا؟ فَأَرْسَلْتُ قَاصِدِي إِلَى الشيخ عبد القادر، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: وَلَوْ قَالَ أَرْبَعَةٌ أَنِّي بِتُّ عِنْدَهُمْ لَصَدَقُوا، فَأَفْتَيْتُ بِأَنَّهُ لَا يَحْنِثُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَتَقْرِيرُ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْفِقْهِ أَنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يُقِيمَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَوْ لَا يُقِيمَ أَحَدٌ مِنْهُمَا أَوْ يُقِيمَهَا وَاحِدٌ دُونَ الْآخَرِ، فَالْحَالَانِ الْأَوَّلَانِ عَدَمُ الْحِنْثِ فِيهِمَا وَاضِحٌ لَا يُنَازِعُ فِيهِ أَحَدٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَحْنِيثُهُمَا مَعًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَلَا تَحْنِيثُ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ تَحَكُّمٌ وَتَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِمَا قَالَهُ الْفُقَهَاءُ فِي مَسْأَلَةِ الطَّائِرِ. وَأَمَّا الْحَالُ الثَّالِثُ فَقَدْ يُنَازِعُ فِيهَا مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ وُجُودَ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ فِي مَكَانَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ غَيْرُ مُمْكِنٍ، بَلْ هُوَ مُسْتَحِيلٌ، وَلَيْسَ كَمَا تَوَهَّمَهُ هَذَا الْمُتَوَهِّمُ مِنَ الِاسْتِحَالَةِ، فَقَدْ نَصَّ الْأَئِمَّةُ الْأَعْلَامُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قِسْمِ الْجَائِزِ الْمُمْكِنِ، وَإِذَا كَانَ مُمْكِنًا فَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا حِنْثَ؛ لِأَنَّ مَنْ حَلَفَ عَلَى وُجُودِ شَيْءٍ مُمْكِنٍ عِنْدَهُ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بِالْحِنْثِ لِإِمْكَانِ صِدْقِهِ، وَالطَّلَاقُ لَا يَقَعُ فِي الظَّاهِرِ بِالشَّكِّ، وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَقْرِيرٍ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُحْتَاجُ إِلَيْهِ إِثْبَاتُ كَوْنِ هَذَا الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ مُمْكِنًا، وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدِيمًا وَأَفْتَى فِيهَا الْعُلَمَاءُ بِعَدَمِ الْحِنْثِ كَمَا أَفْتَيْتُ بِهِ، وَاسْتِنَادُهُمْ فِيهِ إِلَى كَوْنِهِ مُمْكِنًا غَيْرَ مُسْتَحِيلٍ.
فَأَقُولُ: قَدْ نَصَّ عَلَى إِمْكَانِ ذَلِكَ أَئِمَّةٌ أَعْلَامٌ، مِنْهُمُ الْعَلَّامَةُ علاء الدين القونوي شَارِحُ الْحَاوِي، وَالشَّيْخُ تاج الدين السبكي، وكريم الدين الآملي شَيْخُ الخانقاه الصلاحية سعيد السعداء، وصفي الدين بن أبي المنصور، وعبد الغفار بن نوع القوصي صَاحِبُ الْوَحِيدِ، والعفيف اليافعي، والشيخ تاج الدين بن عطاء الله، والسراج ابن الملقن، والبرهان الأبناسي، وَالشَّيْخُ عبد الله المنوفي وَتِلْمِيذُهُ الشيخ
254
المجلد
العرض
54%
الصفحة
254
(تسللي: 251)