اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

الحاوي للفتاوي

عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي
الحاوي للفتاوي - عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي
عَشَائِرُهُمْ لِيَفْتِنُوهُمْ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَأَخْرَجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] الْآيَةَ، وَذَلِكَ حِينَ أَذِنَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ بِالْخُرُوجِ، وَأَذِنَ لَهُمْ بِالْقِتَالِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ قَالَ: إِنَّ مُشْرِكِي أَهْلِ مَكَّةَ كَانُوا يُؤْذُونَ الْمُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ، فَاسْتَأْذَنُوا النَّبِيَّ ﷺ فِي قِتَالِهِمْ بِمَكَّةَ، فَلَمَّا خَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩]، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] قَالَ: أُذِنَ لَهُمْ فِي قِتَالِهِمْ بَعْدَ مَا عُفِيَ عَنْهُمْ عَشْرَ سِنِينَ، هَذِهِ الْآثَارُ كُلُّهَا: مُتَضَافِرَةٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنَ الْهِجْرَةِ، غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مُبِيحَةٌ لَا مُوجِبَةٌ، وَقَدْ نَصَّ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - ﵁ - عَلَى أَنَّ الْقِتَالَ كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ مَمْنُوعًا، ثُمَّ أُبِيحَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، ثُمَّ وَجَبَ بِآيَاتِ الْأَمْرِ، فَلَعَلَّ الْإِيجَابَ كَانَ فِي آخِرِ السَّنَةِ الْأُولَى، أَوْ أَوَّلِ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ وَفِيهَا كَانَ مَبْدَأُ الْغَزَوَاتِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ فَرْضَ الْجِهَادِ الْعَامَّ كَانَ عَامَ الْفَتْحِ سَنَةَ ثَمَانٍ فِي بَرَاءَةٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا سَبَقَ؛ لِأَنَّ فَرْضِيَّتَهُ قَبْلَ ذَلِكَ كَانَتْ مَخْصُوصَةً، وَهَذَا الْآيَةُ فَرَضَتْ عَلَى الْعُمُومِ.
وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ، والحاكم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ نَاسًا أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ: " كُنَّا فِي عِزٍّ وَنَحْنُ مُشْرِكُونَ، فَلَمَّا آمَنَّا صِرْنَا أَزِلَّةً، قَالَ: " إِنِّي أَمَرْتُ بِالْعَفْوِ فَلَا تُقَاتِلُوا الْقَوْمَ " فَلَمَّا حَوَّلَهُ اللَّهُ إِلَى الْمَدِينَةِ أَمَرَهُ بِالْقِتَالِ فَكَفُّوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ [النساء: ٧٧] الْآيَةَ»، وَهَذَا أَيْضًا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ فَرْضَ الْقِتَالِ كَانَ فِي سَنَةِ الْهِجْرَةِ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ، فَلَمَّا كَانَتِ الْهِجْرَةُ، وَأُمِرُوا بِالْقِتَالِ كَرِهَ الْقَوْمُ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ، ثُمَّ رَأَيْتُ ابن سعد فِي الطَّبَقَاتِ ذَكَرَ: أَنَّ أَوَّلَ لِوَاءٍ عَقَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِخَمْسَةٍ فِي رَمَضَانَ عَلَى رَأْسِ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ مُهَاجَرِهِ وَبَعَثَهُ فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا لِغَيْرِ قُرَيْشٍ، ثُمَّ بَعَثَ سِرِّيَّةَ عُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ إِلَى بَطْنِ رَابِغٍ فِي شَوَّالٍ، عَلَى رَأْسِ ثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ مِنْ مُهَاجَرِهِ، وَبَعْثَهُ فِي سِتِّينَ رَجُلًا، ثُمَّ بَعَثَ سِرِّيَّةَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ إِلَى الْخَرَّارِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، عَلَى رَأْسِ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ مُهَاجَرِهِ، وَبَعَثَهُ فِي عِشْرِينَ رَجُلًا، فَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فَرْضَ الْجِهَادِ كَانَ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنَ الْهِجْرَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
288
المجلد
العرض
62%
الصفحة
288
(تسللي: 285)