أيقونة إسلامية

الصيام في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة

د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني
الصيام في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة - د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني
٨ - يحصل السحور ولو بالماء عند عدم الطعام، ويحصل بالماء الأجر كذلك؛ لحديث أبي سعيد - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: «السحور كلُّه بركة فلا تدعوه، ولو أن يجرع أحدكم جُرعة من ماء ...» (١).
ثانيًا: تأخير السحور أفضل؛ لحديث أنس - ﵁ - أن زيد بن ثابت - ﵁ - حدَّثه «أنهم تسحَّروا مع النبي - ﷺ -،ثم قاموا إلى الصلاة، قلت: كم بينهما؟ قال: قَدْرُ خمسين أو ستين، يعني آية»،وفي رواية للبخاري، عن قتادة عن أنس بن مالك «أن النبي - ﷺ - وزيد بن ثابت تسحَّرا فلما فرغا من سحورهما قام نبي الله إلى الصلاة فصليا»، [قال قتادة:] قلت لأنس: كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: قَدْرَ ما يقرأ الرجل خمسين آية» (٢) (٣).
_________
(١) أحمد، ٣/ ١٢، ٣/ ٤٤، وتقدم تخريجه قبل حديث واحد.
(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب وقت الفجر، برقم ٥٧٥،ورقم ٥٧٦، وكتاب التسحر، باب من تسحر فلم ينم حتى صلاة الصبح، برقم ١١٣٤،وكتاب الصوم، باب قدر كم بين السحور وصلاة الفجر؟،برقم ١٩٢١،ومسلم، كتاب الصيام، باب فضل السحور، وتأكيد استحبابه، واستحباب تأخيره وتعجيل الفطر، برقم ١٠٩٧.
(٣) وعن أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه»، وهذا لفظ أبي داود، ولفظ الإمام أحمد: «إذا سمع أحدكم الأذان والإناء على يده فلا يدعه حتى يقضي حاجته منه»، [أبوداود، كتاب الصوم، باب في الرجل يسمع النداء والإناء على يده، برقم ٢٣٥٠، وأحمد في المسند، ١٦/ ٣٦٨، برقم ١٠٢٩،وهو في المسند أيضًا في ١٥/ ١٢٨٤،برقم ٩٤٧٤، لكن بلفظ: «... حتى يقضي منه»، والحاكم، ١/ ٢٠٣، وغيرهم.
والحديث قال عنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٥٧: «حسن صحيح»، وحسنه محققو مسند الإمام أحمد في الموضعين المشار إليهما آنفًا، وقال عبد القادر الأرنوؤط في تحقيقه لجامع الأصول، ٦/ ٣٧١: «إسناده صحيح»، وأخرجه البيهقي، ٤/ ٢١٨، والطبري في تفسيره،
٢/ ١٧٥. وقال الإمام أحمد في مسنده، ١٦/ ٣٦٨، برقم ١٠٦٣٠: «حدثنا روح، حدثنا حماد، عن عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - مثله ... وزاد فيه: «وكان المؤذن يؤذن إذا بزغ الفجر»، قال محققو المسند: «إسناده صحيح على شرط مسلم»، كما قال الحاكم ووافقه الذهبي،
١/ ٢٠٣. ولكن قال ابن أبي حاتم في العلل، ١/ ١٢٣ - ١٢٤، و٢٥٦ - ٢٥٧ «عن أبيه: حديث عمار عن أبي هريرة موقوف»، وذكر ابن حزم في المحلى، ٦/ ٢٣٢، أن قوله: «المؤذن يؤذن إذا بزع الفجر» هو من قول عمار بن أبي عمار.
وانظر: كلام محققي مسند الإمام أحمد، ١٥/ ٢٨٤ - ٢٨٥، ١٦/ ٣٦٨.
قوله - ﷺ -: «إذا سمع أحدكم المؤذن والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه»، قال الخطابي في معالم السنن، ٣/ ٢٣٣: «قلت: هذا على قوله: «إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم»، أو يكون معناه: أن يسمع الأذان وهو يشك في الصبح، مثل أن تكون السماء معتمة، فلا يقع له العلم بأذانه أن الفجر قد طلع، لعلمه أن دلائل الفجر معه معدومة، ولو ظهرت للمؤذن لظهرت له أيضًا، فأما إذا علم انفجار الصبح فلا حاحة به إلى أذان الصارخ؛ لأنه مأمور بأن يمسك عن الطعام والشراب إذا تبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر». انتهى كلامه ﵀.
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في تهذيب السنن مع معالم السنن، ٣/ ٢٣٣، ومع عون المعبود شرح سنن أبي داود، ٦/ ٤٧٦: «هذا الحديث أعله ابن القطان بأنه مشكوك في اتصاله، قال: لأن أباداود قال: أنبأنا عبد الأعلى بن حماد، أظنه عن حماد عن محمد بن عمرو عن أبي هريرة فذكره، وقد روى النسائي عن زرٍّ قال: «قلنا لحذيفة: أي ساعة تسحرت مع رسول الله - ﷺ -:قال: «هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع». [النسائي، برقم ٢١٥٢،وحسن إسناده الألباني في صحيح النسائي، ٢/ ١٠٤].
وقد اختلف في هذه المسألة، فروى إسحاق بن راهويه عن وكيع أنه سمع الأعمش يقول: «لولا الشهرة لصليت الغداة ثم تسحرت»، ثم ذكر إسحاق عن أبي بكر الصديق، وعلي، وحذيفة نحو هذا، ثم قال: وهؤلاء لم يروا فرقا ًبين الأكل وبين الصلاة المكتوبة، هذا آخر كلام إسحاق. وقد حُكي ذلك عن ابن مسعود أيضًا، وذهب الجمهور إلى امتناع السحور بطلوع الفجر، وهو قول الأئمة الأربعة، وعامة فقهاء الأمصار، وروي معناه عن عمر وابن عباس. واحتج الأولون بقول النبي - ﷺ -: «فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم ولم يكن يؤذن إلا بعد طلوع الفجر»، كذا في البخاري، وفي بعض الروايات: «وكان رجلًا أعمى لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت أصبحت»، قالوا: وإن النهار إنما هو من طلوع الشمس.
واحتج الجمهور بقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧]،وبقول النبي - ﷺ -: «كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم»، وبقوله: «الفجر فجران: فأما الأول فإنه لا يحرم الطعام ولا يحل الصلاة، وأما الثاني فإنه يحرم الطعام، ويحل الصلاة». رواه البيهقي في سننه. قالوا: وأما حديث حذيفة فمعلول، وعلته الوقف، وأن زرًا هو الذي تسحر مع حذيفة، ذكره النسائي». انتهى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى من تهذيب السنن المطبوع مع معالم السنن، ٣/ ٢٣٣ - ٢٣٤. [قلت: وقد تعقب أحمد محمدشاكر كلام ابن القطان، وأنكر تضعيف الحديث، ثم ذكر أسانيد الحديث عند الإمام أحمد، وأبي داود، ثم قال: «فهذه أسانيد ثلاثة متصلة ... معالم السنن للخطابي، بتحقيق أحمد محمد شاكر، ومحمد حامد الفقي، ٣/ ٢٣٣]. والله تعالى أعلم، وقد سمعت شيخنا ابن باز ﵀ أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٩١٨، ١٩١٩، ولفظ الحديث: «عن عائشة ﵂ «أن بلالًا يؤذن بليل، فقال رسول الله - ﷺ -: «كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم؛ فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر»، قال القاسم: ولم يكن بين أذانهما إلا أن يرقى هذا وينزل هذا». قال شيخنا في تقريره المذكور آنفًا: «وهذا يبين أن العمدة على طوع الفجر وليس على الأذان فإذا أكل أو شرب بعد الأذان والفجر لم يطلع فصومه صحيح، وإذا كان المؤذن يؤذن على التقويم فالتقويم تقريبي فلو أكل أو شرب أثناء الأذان فلا بأس؛ لأنه ظني، ولكن الأحوط للمؤمن الإمساك». يعني ﵀ إذا أذن المؤذن على التقويم.
255
المجلد
العرض
33%
الصفحة
255
(تسللي: 244)