أيقونة إسلامية

الصيام في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة

د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني
الصيام في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة - د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني
فيصحّ الاعتكاف مقدارًا من الزمن وإن قلَّ، ولو لحظة أو ساعة (١)، لقول الله تعالى: ﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٢)، وهذا اللفظ عام يشمل القليل والكثير، وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: «والصواب في الاعتكاف أنه لا حدَّ لأكثره ولا لأقلِّه، وليس له حد محدود، فلو دخل المسجد ونوى الاعتكاف ساعة أو ساعتين فهو اعتكاف» (٣)، والله تعالى أعلم (٤).
_________
(١) الساعة في عرف الفقهاء جزء من الزمن، لا جزء من أربع وعشرين ساعة [الموسوعة الفقهية الكويتية، ونسبه لابن عابدين مع الدر المختار، ٢/ ٤٤٤، انظر: الموسوعة المذكورة، ٥/ ٢١٣].
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٨٧.
(٣) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الأحاديث: ٢٠٢٥ - ٢٠٢٧.
(٤) اختلف الفقهاء في مقدار اللبث المجزئ في الاعتكاف على أقوال على النحو الآتي: القول الأول: مذهب الحنابلة، والحنفية: ما يسمى به معتكفًا لابثًا، قال المرداوي في الإنصاف، ٧/ ٥٦٦: «فعلى المذهب أقلَّه إذا كان تطوعًا أو نذرًا مطلقًا ما يسمى به معتكفًا لابثًا»، قال ابن مفلح في الفروع، ٥/ ١٤٣: «فظاهره ولو لحظة وفاقًا للأصح عند الشافعية، وأقله عندهم مكث يزيد على طمأنينة الركوع أدنى زيادة ... ولا يكفي عبُورُه خلافًا لبعض الشافعية». قال في الإنصاف، ٧/ ٥٦٦: «وفي كلام جماعة من الأصحاب: أقله ساعة لا لحظة».
القول الثاني: مذهب الشافعية في الأصح عندهم: تكفي لحظة، لكن لابد من اللبث في المسجد، فيكفي التردد فيه لا المرور بلا لبث، ويندب عندهم أن يكون يومًا؛ لأنه لم يرد أن النبي - ﷺ - اعتكف أقل من يوم.
القول الثالث: مذهب المالكية: أقل الاعتكاف يوم وليلة، والمستحب أن لا ينقص عن عشرة أيام.
ودليل من قال: أقله ساعة: قوله تعالى: ﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٨٧]،وهذا يشمل القليل والكثير، وبعض ألفاظ حديث ابن عمر ﵄ في نذر عمر قال: سأل عمر النبي - ﷺ - عن نذر كان نذره في الجاهلية اعتكافٍ، فأمر النبي - ﷺ - بوفائه». [البخاري، برقم ٤٣٢٠]. وهذا يشمل الاعتكاف القليل والكثير، والله أعلم.
ودليل من قال: أقل الاعتكاف: يوم وليلة؛ حديث عبد الله بن عمر ﵄: أن عمر بن الخطاب سأل رسول الله - ﷺ -، قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام؟ فقال له رسول الله - ﷺ -: «أوف بنذرك»، وفي رواية أنه نذر اعتكاف يوم فقال: يا رسول الله إنه كان عليَّ اعتكاف يوم في الجاهلية؟ «فأمره أن يفي به»، وفي لفظ لمسلم: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف يومًا في المسجد الحرام، فكيف ترى؟ قال: «اذهب فاعتكف يومًا» [متفق عليه: البخاري، ٢٠٣٢، ٢٠٤٣، ٣١٤٤، ٤٣٢٠، ٦٦٩٧،ومسلم برقم ٢٧ - (١٦٥٦) ورقم ٢٨ - (١٦٥٦)].
قال ابن حبان: ألفاظ هذا الحديث مصرحة بأنه نذر اعتكاف ليلة إلا هذه الرواية: «اذهب فاعتكف يومًا» ... فيشبه أن يكون أراد باليوم مع ليلته، وبالليلة مع اليوم، حتى لا يكون بين الخبرين تضاد. [فتح الباري لابن حجر، ٤/ ٢٧٤]، وقال ابن خزيمة، ٣/ ٣٤٨: «إن العرب تقول يومًا: تريد بليلته، وتقول: ليلة: تريد بيومها»، لكن روى ابن عمر ﵄ أنه قال - أي عمر -: يا رسول الله إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال النبي - ﷺ -: «أوفِ بنذرك فاعتكف ليلة»، رواه الدارقطني، ٢/ ١٩٩، وقال: «هذا إسناد ثابت»، وهذا صريح في أنه إنما نذر اعتكاف ليلة، وعلى هذا فأقل ما ورد: يوم أو ليلة. [انظر: كتاب الفروع لابن مفلح،
٥/ ١٤٣، والمقنع والشرح الكبير والإنصاف، ٧/ ٥٦٦ - ٥٦٧، والموسوعة الفقهية الكويتية،
٥/ ٢١٢ - ٢١٣].
461
المجلد
العرض
60%
الصفحة
461
(تسللي: 445)