تهذيب المدخل المفصل للفقه الحنفي - صلاح أبو الحاج
المطلب الأول: مظاهر هذا العصر:
أ. رسالة عمر - رضي الله عنه - إلى أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -، قال فيها: الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك مما لم يبلغك في القرآن والسنة، فتعرّف الأمثال والأشباه، ثم قس الأمور عند ذلك، واعمد إلى أحبّها إلى الله وأشبهها فيما ترى (¬1). (¬2)
ب. وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -: أنَّ رجلاً تزوج امرأة فلم يفرض لها ولم يمسّها حتى مات، قال: فردّهم، ثم قال: أقول فيها برأيي فإن كان صواباً فمن الله وإن كان خطأً فمنّي، أرى لها صداق امرأة من نسائها لا وكس ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث، قال: فقام معقل بن سنان الأشجعي، فقال: أشهد أنَّك قضيت فيها بقضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بروع ابنة واشق، ففرح عبد الله بذلك وكَبَّر (¬3).
قال الإمام الكوثري - رضي الله عنه - (¬4): «والقول المحتم أنَّ فقهاء الصحابة والتابعين
وتابعيهم جروا على القول بالرأي، بمعنى: استنباط حكم النازلة من النصّ، وهذا من الإجماعات التي لا سبيل إلى إنكارها» (¬5).
¬__________
(¬1) في سنن البيهقي الكبير 10: 115، وسنن الدارقطني 4: 206، 207.
(¬2) قال الشيرازي في طبقاته ص20: إنَّ مَنٍْ نظر فتاوي عمر - رضي الله عنه - على التفصيل وتأمل معاني قوله على التحصيل، وجد في كلامه من دقيق الفقه ما لا يجد من كلام أحد، ولو لم يكن إلا الفصول التي ذكرها في كتابه إلى أبي موسى - رضي الله عنه - لكفى ذلك في الدلالة على فضله.
(¬3) المنتقى 1: 179، وصحيح ابن حبان 9: 409، والمستدرك 2: 196، وسنن أبي داود 2: 237.
(¬4) في مقدمة نصب الراية ص285.
(¬5) يرى الدكتور البوطي في كتابه: السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي ص27 - 28 سبب قلّة مسائل الرأي في عصر الصحابة - رضي الله عنهم - أنَّ عندهم «مزيتان هما:
أولاً: السليقة العربية الخالصة عن شوائب العجمة.
ثانياً: الفطرة الإسلامية النقية الداعية إلى التسليم.
ومن المعلوم أنَّ الحاجة إلى تحكيم أي ميزان علمي في الاستنباط من الكتاب والسنة، إنَّما تأتي وليدة ضعف في معرفة اللغة العربية وآدابها، أو جدل يثور بين الأطراف فيما يحاولون فهمه ويتداولون الرأي فيه، وكلا هذين السببين كانا مفقودين تماماً في عصر الصحابة - رضي الله عنهم -، لا سيما في القسم الأول، فإذا أضفنا إلى ذلك أنَّ المسائل الدينية التي كانت تواجههم فعلاً وتشغل بالهم لحاجتهم إلى معرفة حكم الدين فيها، كانت محدودة وقليلة، ولا تخرج في غالب الأحيان عن دائرة النصوص الصريحة الواردة في القرآن أو السنة، عرفنا حقيقة الظرف الذي أغنى ذلك الرعيل الأول عن البحث في أي ميزان علمي يحتكمون إليه للنظر والاستنباط، فإنَّهم ما كانوا يتناقشون حتى يبحثوا عما يمكن أن يحتكموا إليه، وما كانوا يعانون من أي ضعف في الملكة اللغوية والذوق العربي حتى يقعوا من ذلك في حيرة تلجئهم إلى التمسك بمقياس يستعينون به، وما كانت الأحداث ومستجدات الأمور تتكاثر من حولهم حتى تحوجهم إلى الاستعانة بسلطان القياس والرأي ... .».
ب. وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -: أنَّ رجلاً تزوج امرأة فلم يفرض لها ولم يمسّها حتى مات، قال: فردّهم، ثم قال: أقول فيها برأيي فإن كان صواباً فمن الله وإن كان خطأً فمنّي، أرى لها صداق امرأة من نسائها لا وكس ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث، قال: فقام معقل بن سنان الأشجعي، فقال: أشهد أنَّك قضيت فيها بقضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بروع ابنة واشق، ففرح عبد الله بذلك وكَبَّر (¬3).
قال الإمام الكوثري - رضي الله عنه - (¬4): «والقول المحتم أنَّ فقهاء الصحابة والتابعين
وتابعيهم جروا على القول بالرأي، بمعنى: استنباط حكم النازلة من النصّ، وهذا من الإجماعات التي لا سبيل إلى إنكارها» (¬5).
¬__________
(¬1) في سنن البيهقي الكبير 10: 115، وسنن الدارقطني 4: 206، 207.
(¬2) قال الشيرازي في طبقاته ص20: إنَّ مَنٍْ نظر فتاوي عمر - رضي الله عنه - على التفصيل وتأمل معاني قوله على التحصيل، وجد في كلامه من دقيق الفقه ما لا يجد من كلام أحد، ولو لم يكن إلا الفصول التي ذكرها في كتابه إلى أبي موسى - رضي الله عنه - لكفى ذلك في الدلالة على فضله.
(¬3) المنتقى 1: 179، وصحيح ابن حبان 9: 409، والمستدرك 2: 196، وسنن أبي داود 2: 237.
(¬4) في مقدمة نصب الراية ص285.
(¬5) يرى الدكتور البوطي في كتابه: السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي ص27 - 28 سبب قلّة مسائل الرأي في عصر الصحابة - رضي الله عنهم - أنَّ عندهم «مزيتان هما:
أولاً: السليقة العربية الخالصة عن شوائب العجمة.
ثانياً: الفطرة الإسلامية النقية الداعية إلى التسليم.
ومن المعلوم أنَّ الحاجة إلى تحكيم أي ميزان علمي في الاستنباط من الكتاب والسنة، إنَّما تأتي وليدة ضعف في معرفة اللغة العربية وآدابها، أو جدل يثور بين الأطراف فيما يحاولون فهمه ويتداولون الرأي فيه، وكلا هذين السببين كانا مفقودين تماماً في عصر الصحابة - رضي الله عنهم -، لا سيما في القسم الأول، فإذا أضفنا إلى ذلك أنَّ المسائل الدينية التي كانت تواجههم فعلاً وتشغل بالهم لحاجتهم إلى معرفة حكم الدين فيها، كانت محدودة وقليلة، ولا تخرج في غالب الأحيان عن دائرة النصوص الصريحة الواردة في القرآن أو السنة، عرفنا حقيقة الظرف الذي أغنى ذلك الرعيل الأول عن البحث في أي ميزان علمي يحتكمون إليه للنظر والاستنباط، فإنَّهم ما كانوا يتناقشون حتى يبحثوا عما يمكن أن يحتكموا إليه، وما كانوا يعانون من أي ضعف في الملكة اللغوية والذوق العربي حتى يقعوا من ذلك في حيرة تلجئهم إلى التمسك بمقياس يستعينون به، وما كانت الأحداث ومستجدات الأمور تتكاثر من حولهم حتى تحوجهم إلى الاستعانة بسلطان القياس والرأي ... .».