تهذيب خلاصة الدلائل وتنقيح المسائل في شرح القدوري - صلاح أبو الحاج
كتاب البيوع
كتاب البيوع
كتاب البيوع (¬1)
¬__________
(¬1) من مميزات المعاملات الفقهية: إنَّ هذا الإقبال الإسلامي والعالمي على دراسة المعاملات الشرعية لم يأت من فراغ، بل لِما امتازت به من خصائص عديدة تميزها عن غيرها، ومن تجربتي لسنوات طويلة في تدريس المعاملات عند السادة الحنفية من كتبهم الأصيلة، تحصَّلت لدي فكرةٌ عامّة عن المعاملات، تُمثِّل الخطوط العريضة التي يسلكها فقهاؤنا في تقرير أبواب المعاملات، وتعتبر أسباباً لنجاح المعاملات الشرعية في تلبية أغراض الناس.
وأحاول هاهنا عرضها بصورة مختصرة؛ لأنَّ تمام بيانها وتفاصيلها وأمثلتها تتحقق بدراسة الأبواب الفقهية المختلفة، فهي تمثل التصور العام والكلي للمعاملات عند الفقهاء، فيسهل على الطالب فهم البناء الفقهي لمسائل المعاملات.
وهذه الميزات متداخلةٌ فيما بينها، ومع ذلك أَفردت كلاً منها بنقطةٍ مستقلةٍ؛ لتميّزها عن غيرها، ولإظهارها وتسليطاً للضوء عليها أكثر، وهي:
الأولى: أنَّ المعاملات تنظيمية لا تربوية:
إنَّ التَّشريعَ الإسلامي له جانبان: تربويّ، وتنظيميّ.
أمّا التربويّ: فهو يتجسَّدُ بصورةٍ واضحةٍ في العبادات التي تسعى سعياً حثيثاً إلى الارتقاءِ بإنسانيةِ الإنسانِ إلى أَعلى مراتبها، وتخليصِهِ من الصفاتِ الحيوانيةِ الذميمة، فعلى قدر التزام المسلم بدينه يرتقي سلوكه وأخلاقه وتصرفاته إلى أعلى مستويات الإنسانية، ويؤكد ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» في سنن البيهقي الكبير 8: 4، وسنن الدارقطني 3: 304، وسنن أبي داود 2: 283، ومسند أحمد 2: 182، ومكارم الأخلاق ص 78، قال الحاكم: صحيح الإسناد. ينظر: خلاصة البدر المنير
2: 257، والعبادات هي المحقِّقةُ لأفضل المكارم الخلقيةِ بالتخلصِ من الصفاتِ الذميمةِ والإخلاصِ للهِ تعالى.
فمثلاً في الصلاة يتعود الإنسان على الإخلاص لله - جل جلاله - والتركيز الكامل في أفعال الصلاة أثناء أدائها وهو ما يسمّى الخشوع، ومن أعظم أسرار النجاح في أي عمل هو الإخلاص له، والتركيز الكلي فيه، فالمسلم يأخذ كل يوم خمسة دروس في ترسيخ هذا السلوك في شخصيته، بحيث يكون جزءاً من حياته، وَيُمَكِّنُه من النجاح الكامل في كل أموره.
والصلاة تنظم الأوقات للمسلم، وتعرّفه أنَّ كلَّ وقت له عمل، وهذا سبيلُ النّاجحين في حياتهم، فمَن كان أقدر على تنظيم وقته، وترتيب حياته، وجعل لكلِّ وقتٍ عملاً كان أنجح في حياته.
وبقي أمرٌ لا بُدّ من الحديث عنه، وهو أنَّ النّظريات التّربوية يتعرّف عليها بالتَّجربة؛ لأنَّها تتعامل مع طبيعة إنسانية وتقدم حلولاً لمشاكل فيها، ويظهر مع الزَّمن أنَّ هذه الحلول أكثر جدوى، فهي تقاس بالتجربة والتطبيق أكثر من قياسها بمنظور العقل في ترتيب النتائج على المقدمات، ولذلك تجد أنَّ العقل لا يدرك العبادات في نفسها في ترتب النتائج عليها، ولكن التجربة أثبتت أنَّها قادرة على تعديل سلوك الإنسان إلى ما هو أقوم وأفضل، فالله - جل جلاله - خلق الإنسان، وهو أعلمُ بحاله وبما يحسنُ تصرّفاته وأخلاقه.
وأمّا الجانب التّنظيمي في التّشريع: فهو يتمثّل في النّكاح والطّلاق والمعاملات والقضاء والسّير والمواريث وغيرها، ففيها يسعى الفقهاء إلى تقديم أفضل حلول للحياة الإنسانيّة، ومَن قدَّم لنا أفضل ممّا عندنا لن نتوانا في الاستفادة والأخذ منه؛ لأنَّ المقصود منها إيجاد أفضل حياة بشريّة.
والفقيهُ في تحقيق ذلك له نوران: نور العقل، ونور الشرع.
فأمّا نور العقل: فبه يبذل قصارى جهده في تقديم الطريق الأرشد والأفضل في حلّ المشاكل الحياتية، ويضيف إليه التجربة التّاريخية العميقة في هذا الجانب من قِبَل الفقهاء، ملاحظاً معرفة أهل الاختصاص في هذا الميدان، فما يقدمه غير المسلم في تنظيم الحياة الإنسانية لا يعدو كونه من نور العقل البشري، ومثلُه موجود بكماله عند الفقهاء ويُضاف إليه تجارب غيرهم من الفقهاء عبر التّاريخ حيث تعتبر مادة خصبة جداً من التجارب البشرية.
وأما نور الشرع: فهو يتمثَّل في أمور لا يُمكن للعقل إدراكها بنفسه لأوّل وهلة، وإنَّما تدرك بالنظر إلى آثارها بعد مدة مديدة، فالشرع اختصر علينا الطريق وعرّفنا بها ابتداء، فلا حاجة لنا إلى عملها حتى نتعرَّفَ على ضررها، ومثال ذلك:
تبرج المرأة والزنا يجر على المجتمع من الويلات ما لا يعلمه إلا الله - جل جلاله -، وهذا ظاهرٌ في المجتمعات الشرقية والغربية من انتشار الأمراض، وحرمان المرأة من حقِّها في الزاوج ـ نتيجة تحقيق الرجل رغبته بالزنا واستغنائه عن المرأة، ـ وخروج أجيال بلا أسرة تنتفع بتربيتها وتستمتع بحنانها، فمنعت الشريعة هذا السلوك ابتداء، لا بعد أن تتعذب أجيال بذلك ثم نكتشف هذه الحقيقة المرة.
وأيضاً: الرّبا، والقمار، وبيع الدين بالدَّين، وبيع ما لا تملك، ففيه من المضار التي علمت في هذا الزمان بسبب الكارثة الاقتصادية ما لا يخفى، فالشريعة عرفتنا بمضاره ابتداءً وإن كانت هذا المضار لا تدرك بالعقل إلا بآثارها بعد تطبيقه مدة من الزمان، لكن الله - عز وجل - لم يتركنا نتعذّب دهراً قبل أنّ نتوصّل إلى هذه الحقيقة، وقس على هذا غيرها من الأحكام الشرعية.
وعلى كلٍّ تسعى الشَّريعة إلى تنظيم الحياة البشريّة بهذين النُّورين، اللذين لا يوجدان بتمامهما عند غير المسلم المسترشد بنور الله - جل جلاله -، فيتوصَّل إلى أبدعِ تنظيمٍ وترتيبٍ لكلِّ جوانب حياته.
وملاحظةُ أنَّ المعاملات من الجانب التّنظيمي للإسلام أمرٌ في غايةِ الأهمية؛ لأنَّ تعاملنا معها على أنَّها تنظيماتٌ يُسهِّلُ علينا كثيراً فهم فروعها، ويُمكننا من تصورِها جيداً، ويُساعدنا في معرفةِ الرَّاجح فيها، ويُمكننا من تخريج المستجدات ـ كما سيأتي ـ.
الثانية: أنَّ أحكام المعاملات معلَّلة لا تعبديّة:
إنَّ المعاملات مبنيّةٌ على عللٍ يجب مراعاتها عند قراءة فروعها، والأحكام متعلِّقة بهذه المعاني، وما يذكره الفقهاء من مسائل هي أمثلةٌ لقواعد مقرَّرة في كلِّ باب من أبواب الفقه عامّة والمعاملات خاصّة؛ إذ من طريقتِهم في التَّأليف أنَّهم يذكرون القاعدة بالمثال، فمن فهم المثال وتصوَّر بناءه الصَّحيح، عرف القاعدة التي بُني عليها.
ومَن لم ينتبه لهذا وبقي يقرأ مسائل الفقه مجردةً عن كونها معلَّلة بمعاني وأصول، فلن يكون قادراً البتة على فهم الفقه، وغير قادر على ربط الفروع ببعضها، ومعرفة حكم المستجدات، فعلينا أن ندرك تماماً أنَّ ما بين أيدينا هي ألفاظ موصلة إلى معاني، والمعاني هي الغايات، فإنَّ هذه المعاني هي أسس وقواعد في كلّ باب بُنيت عليها الأحكام، وقد استنبطت من القرآن والسنة وآثار الصّحابة والقواعد العامّة التي آتى بها الإسلام واستفيدت من العقل السَّليم الذي يسير على المنهج المستقيم في تقدير الأُمور بما يعود على البشريّة بالنّفع والخير.
وكيفيّة القراءة الصّحيحة للمسائل هو بالسّؤال الدّائم قبل كلّ فرع لماذا هكذا؟ حتى يتبيّن لنا علّته، وكذلك نفعل مع النُّصوص الشرعية من القرآن والسنة بالسؤال لماذا هكذا؟ حتى ندرك علّتها.
فكل الأحكام معلَّلة بمعاني معتبرة علينا إدراكها من أجل فهمها جيداً وإمكانية الاستفادة منها، قال الآمدي في الإحكام 3: 264: « ... خلاف إجماع الفقهاء على أنَّ الحكم لا يخلو عن علّة».
الثَّالثة: أنَّها مبنيةٌ على تحقيق المصالح للبشر:
فمَن تأمّل في حِكَمِ التَّشريعِ يصل إلى أنَّها إما جالبة للمصالح، وإمّا دارئةٌ للمفاسد، وينبغي أن يكون هذا الأمر مُسلَّما؛ لكون الله - عز وجل - غنيّاً عن العباد وحكيماً، فلا يريد من تشريعاتِه إلا تحقيق الخير للبشريّة في المعاملات وغيرها، قال الشاطبيُّ في موافقاته 1: 148: «إنَّ القاعدةَ المقرَّرةَ أنَّ الشرائعَ إنَّما جيء بها لمصالح العباد، فالأمرُ والنهيُ والتخييرُ جميعاً راجعةٌ إلى حَظِّ المكلَّفِ ومصالحِه؛ لأنَّ اللهَ غنيٌّ عن الحظوظِ منزّه عن الأغراض».
فإنَّ إدراك هذه الحقيقة الكبيرة يورث الثقة الكاملة في أحكام المعاملات، والرغبة في الإقبال عليها علماً وعملاً، وإفناء العمر في الاستفادة من كنوزها وخيراتها؛ لينتفع الناس بهذه النعمة الكبرى عليهم؛ لأنَّ المرء يسعى في مصالحه، فإن علم أنَّ مصلحته متحققة بهذا فلن يدخر جهداً في السَّعي وراء تحقُّقها في حياته.
الرابعة: أنَّها تقوم على مبادئ عامّة:
النَّصوصُ الشَّرعيةُ الواردةُ في أبوابِ المعاملات أقلُّ بكثيرٍ من النُّصوص الواردة في العبادات، فلم تكثر الأحاديث فيها كما كثرت في العبادات، وليس مرجع هذا عدم اهتمام الشَّارع الحكيم بها، وإنَّما السَّبب هو كون العبادات غير معقولة المعنى؛ لأنَّها تربية، بخلاف المعاملات فإنَّها معقولة المعنى؛ لأنَّها تنظيم ـ كما سبق ـ.
وإنَّما كانت طريقةُ الشَّريعة فيها تأسيس قواعد عامّة تسير عليها المعاملات وتنضبط بها، فكانت إمكانية التطبيق فيها أكثر، ومرونة العمل أوسع، وقدرة الاجتهاد فيها أعظم، فمَن لم يكن يسير على أصولٍ محكمةٍ في الفقه، لن يستطيع المنافسة في أبواب المعاملات؛ لأنَّ ظواهر الأحاديث التي كان يَبني عليها كلامَه في العبادات لم تَعُد متوفرةً إلا قليلاً.
فعدم الانتباه لهذه الميزة العظيمة في المعاملات يربك المشتغل بها، والتفات الحنفية إليها أكثر من غيرهم هو الذي جعل أحكام المعاملات في مذهبهم سهلة في العمل والتطبيق، وجعل فيها تيسيراً كبيراً ورفعاً للحرج عن الناس؛ لأنَّهم يحتكمون فيها للمبادئ العامّة التي تظافرت عليها النصوص الشرعية.
ومن هذه القواعد: الرضا، وعدم الرّبا، وعدم القمار، وإزالة الجهالة، وغيرها، مما سيأتي تمام الكلام في مناقشته في الميزات الآتية.
الخامسة: أنَّها تقوم على أساس التراضي بين النَّاس:
يُمثلُ التَّراضي أبرز قاعدة بُنيت عليها المعاملات، ولو لم يكن في النصوص الشرعية إلا هذا الأساس في التعامل لكان كافياً للدلالة على عظم هذا التشريع، فهي تجري في كافة التصرُّفات التِّجارية مجرى الرُّوح في الجسد، فلا حياة لجسدٍ بلا روح، ولا اعتبار لمعاملةٍ بدون رضا.
قال - جل جلاله -: چ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ چ [النساء: 29]، إذ في الآية إباحة سائر التجارات الواقعة عن تراض، والتجارة اسم واقع على عقود المعاوضات المقصود بها طلب الأرباح؛ قال - جل جلاله -: چ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) چ [الصف: 10]، فسمّى الإيمان تجارةً على وجه المجاز تشبيهاً بالتجارات المقصود بها الأرباح، ينظر: أحكام القرآن للجصاص 2: 245، وغيره.
وأكد هذا المعنى الوارد في الآية النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «إنَّما البيع عن تراض» في سنن ابن ماجة 2: 727، وصحيح ابن حبان 11: 340، والسنن الكبرى للبيهقي 6: 29، وغيرها.
فخلو العقد عنها ابتداءً عند التعاقد أو بقاءً بعد التعاقد يسبب خللاً ظاهراً فيه يمنع من صحّة العقد، ويوجب الفسخ لفساده.
والرِّضا هو أكثرُ فكرةٍ مراعاةٍ في العقود، فعليها مدارُ التَّعاملات، فهي القاعدةُ العظمى والمرتكز الأساسي فيها، فتدخل في عامّة متعلّقات المعاملات من شروطٍ وخياراتٍ وعيوبٍ وجهالةٍ: كثبوتِ خيار العيب، فإن تبيّن أنَّ في المبيع عيباً ينقص قيمته عند التجار ولم يره المشتري عند البيع يثبت له الحق بردّ المبيع؛ إذ السلامة لما كانت مرغوبة للمشتري، ولم تحصل، فقد اختل رضاه، وهذا يوجب الخيار؛ لأنَّ الرضا شرط صحّة البيع، فانعدام الرضا يمنع صحة البيع، واختلاله يوجب الخيار فيه؛ إثباتاً للحكم على قدر الدليل؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن اشترى شاةً محفَّلة فردَّها فليرد معها صاعاً من تمر» في صحيح البخاري 2: 755، ومصنف عبد الرزاق 8: 198، وغيرهما، والصَّاعُ من التَّمر كأنَّه قيمة اللبن الذي حلبه المشتري، علمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بطريق المشاهدة.
السادسة: أنَّها تقوم على أساس رفع النزاع:
وهذه قاعدةٌ كبيرةٌ في المعاملات، يُعبَّر عنها كثيراً بعبارة: كلُّ جهالةٍ تُفضي إلى النِّزاع تُفسدُ البيع، فميزوا بين الجهالةِ المعفوةِ وغيرِ المعفوة بتحقُّقِ النِّزاع فيها، فعامّة الفروع في الفساد يعلِّلون فسادها بالجهالة أو بالنِّزاع.
والجهالةُ متفاوتةٌ جداً من زمانٍ إلى زمانٍ، ومكانٍ إلى مكانٍ، لكنَّ مردَّها إلى النزاع، فيكفينا مثلاً في بلدة أن نذكر في المبيع بعضَ الأوصاف وتكون كافيةً بعدم حصول التَّنازع، وفي بلدةٍ أُخرى لا يكفينا ذكر مثل هذه الأوصاف، فيحصل تنازع إن لم يبيِّن أكثر، فيكون البيع في البلد الذي لا يتنازعون صحيحاً وفي الآخر فاسداً.
فالنبي - صلى الله عليه وسلم -: «نهى عن بيع الغرر» في صحيح البخاري 2: 753، وصحيح مسلم 3: 1153، وصحيح ابن حبان 11: 327، وغيرها، قال الإمام السَّرَخْسِيّ في المبسوط 12: 117: «الغرر ما يكون مستور العاقبة»، فلا بد أن يكون ما في العقد واضحاً بيِّناً ومحدَّداً لكلِّ واحدٍ من المتعاقدين، وليس مردُّ الجهالة إلى النظرية والعقل، وإنَّما إلى الواقع والتطبيق، فكم من المسائل نحكم بجهالتها عقلاً، لكن لا يتنازعون فيها في الواقع، فلا نحكم بالفساد بسبب هذا الجهالة، كجواز بيع القمح في سنبله والباقلاء في قشره؛ لكونه معتاداً ولا يفضي للنزاع.
السَّابعة: أنَّها تقوم على أساس أخذ المال بالحقِّ دون الباطل:
فطرقُ الحصول على المال متعددةٌ، منها ما هو مشروع، ومنها ما هو غير مشروع، وما كان غيرَ مشروع منها ما هو محل توافق بين المجتمعات: كالسَّرقة، والخيانة، والغصب، ومنها ما تمنعه قوانين لدول وتبيحه أُخرى، على حسبِ ثقافاتٍ ومنافع ومَضارّ تُحدِّدها تلك الأنظمة.
وفي نظامنا الإسلامي أدخلنا فيه كلَّ ما كان مُضرّاً بالأفراد والمجتمع مما لا نفع فيه، ونجعله من المحظورات: كالربا، والقمار، والغناء، وثمن الخمر، وغيرها.
وأكَّد الشَّارعُ هذه الميِّزة بقوله - جل جلاله -: چ? ? ? ں ںچ [البقرة: 188]، ويُمكن ضبط ذلك بأنَّ كلَّ التَّصرُّفات الممنوعة شرعاً تكون من أكل المال بالباطل؛ لأنَّها منعت لما فيها من مفاسد، كالغاصب إذا أجر المغصوب، فالأجرة له، ولكن يتصدق به؛ لأنَّه حصل له بكسب خبيث. ينظر: المبسوط 5: 70.
الثّامنة: محاربة الربا والحض على الابتعاد عنه وعن شبهته:
وهذه ميزة عظيمة جداً؛ لأنَّ الربا مهلكة الاقتصاد؛ لما فيه من تضييع المجتمع في زيادة الفقير فقراً، وزيادة الغني غنىً، بتحقيقه للتضخم المستمر في أنواع السِّلع.
وتعريفُه العامّ: هو زيادةٌ خاليةٌ عن عوض، ينظر: المبسوط 12: 117، والتقرير 3: 116، فطالما أنَّه لا يوجد عوض لم يعد أخذه بحقّ، ولم يعد الرّضا بتمامِه موجوداً، بل أحدُ الطَّرفين منتفعٌ والآخرُ متضرر؛ لهذه الأسباب وغيرها وجدنا القرآن حارب الربا محاربة شديدة، فقال - جل جلاله -: چ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ چ [البقرة: 275].
فكان أثره السيء في التعاملات المالية كأثر الزنا في العلاقات بين الرجال والنساء، فكما مُنِع من كلِّ الطُّرق الموصلة للزّنا: كالتبرج والاختلاط، كذلك مُنِع من كلِّ الطُّرق الموصلة للرِّبا، فكانت شبهة الربا ملحقة بالربا في الحرمة؛ غلقاً لهذا الباب، وسدّاً لكلّ المنافذ الموصلة له؛ لخطورته الشديدة على المال.
التَّاسعة: لزوم العوض في مقابل عين أو منفعة:
القمار: هو تعليق أصل الاستحقاق على الحظّ ينظر: المبسوط 7: 75، وفتح القدير 9: 440، وعبارته: «أصل الاستحقاق في القمار يتعلق بما يستعمل فيه»، ومثله في البناية 11: 433، وغيرها؛ إذ لا يقابل المال فيه حقٌّ معتبر من منفعة أو عين.
والمقصود بالعين: الأعيانُ التي يُضاف إليها عقد البيع وأمثاله، والمقصودُ بالمنفعة: المنافعُ التي يُضاف إليها عقدُ الإجارة وأمثاله.
ففي العقودِ المعتبرةِ يكون المالُ مُستحقّاً بإزاءِ تقديمِ عينٍ أو منفعةٍ؛ لأنَّ بها تمام العدل في مقابلة الشيء بقيمته المتوافق عليه بين المتعاقدين، ويكون لازماً على كلِّ طرفٍ تقديم ما يلزم عليه قضاءً، بخلاف ما يكون قماراً، فكيف يلزم عليه أن يُقدِّمَ شيئاً ولم يأخذ في مقابلِهِ عوضاً، ولذلك لا يُقضى عليه به؛ لعدم استحقاقِهِ له، وهذا كمال العدل.
ونهى الله تعالى عن القمار في قوله: چ ? ? پچ [المائدة: 90]، والميسر: هو القمار مشتق من اليسر؛ لأنّه أخذ المال بسهولة من غير تعب ولا كدّ.
وصور القمار في هذا الزَّمان عديدة جداً: كاليانصيب، وكلِّ لعب يُحقِّق معناه، كالعديدِ من المسابقات التلفزيونية والإذاعية التي تعتمد على الحظّ؛ إذ يسألون سؤالاً سهلاً، وتلزم بدفع مال بطريق الاتصال ويفوز واحد ويخسر الباقون قيمة اتصالاتهم، ومثلُه كثير يحصل برسائل على الهاتف بطرق متعددة، يتلاعبون فيها بجمع المال، فالحذر الحذر من كلِّ هذا؛ لأنَّه قمارٌ، وهو مُحرَّم.
العاشرة: أنَّ العقود فيها حقيقيّة لا وهمية:
ونقصد بذلك أنَّها ليست مجرد مضاربات تحصل في البورصات وغيرها يُجنى من ورائها أرباح طائلة دون أن يكون فيها فائدة تعود على المجتمع بإنتاجِ عينٍ أو تقديمِ منفعةٍ، ولا يقف الأمر عند هذا الحدّ فحسب، بل يكون لها أثرٌ سلبيٌّ بحصول تضخم في الأسعار، مما يلحق ضرراً بليغاً بالمجتمعات لحساب أفرادٍ معيّنين، ممَّا جعل بعض الاقتصاديين يُطالب الدُّول إن أرادت أن تحل مشكلة التعثّر الاقتصادي أن تترك وتبتعدَ عن العقود الوهمية.
هذه الكيفيات لم تقبلها الشريعة، وحاربتها، وسلكت وسائل تجعل العقود حقيقية تعود بالنفع على الأفراد والجماعات بالإنتاج والعمل والاستثمار الحقيقي، فلا نريد عقداً بدون عين أو منفعة.
ومن أمثلةِ تحقيقِ الفقه لذلك:
1.المنع من بيع شيء لم يقبض، تأكيداً على تحقق العقد بانتقال المبيع ووجود الضمان له؛ فعن حزام بن حكيم بن حزام - رضي الله عنه - قال: «قلت: يا رسول الله، إنّي رجل أشتري المتاع فما الذي يَحِلّ لي منها وما يَحْرُم عليَّ؟ فقال: يا ابن أخي، إذا ابتعت بيعاً فلا تبعه حتى تقبضه» في صحيح ابن حبان 11: 358،361، وسنن النسائي الكبرى 4: 37، والمجتبى 7: 286، والمنتقى 1: 154، ومصنف ابن أبي شيبة 4: 387، ومصنف عبد الرزّاق 8: 43.
2.المنع من بيع السلعة قبل تملكها؛ مبالغة في حصول البيع بحق، وابتعاداً عن أسباب النزاع؛ فعن حكيم بن حزام - رضي الله عنه - قال: «أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقلت: يأتيني الرجل يسألني من البيع ما ليس عندي، أبتاع له من السوق، ثم أبيعه؟ قال: لا تبع ما ليس عندك» في جامع الترمذي 3: 534، وحسنه، وسنن أبي داود 3: 283، والمجتبى 7: 289، وغيرها.
3.إبطال عقد الصرف والسَّلَم إن لم يحصل تقابض في نفس المجلس، وجعل القبض فيها مستحقاً شرعاً؛ سعياً لإيجاد هذه العقود حقيقة، وخروجاً من أسباب النزاع بسبب التغير السريع في الأثمان؛ فعن أبي سعيد الخُدري - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائباً بناجز» في صحيح البخاري 2: 761، وصحيح مسلم 3: 1208، وغيرها.
4.المنع من بيع الدَّين بالدَّين إلا ممن عليه الدَّين، فلا يجوز بيع ديني على زيد لعمر مثلاً، وصوره عديدة، وكل هذا تحقيق لعقود حقيقية لا وهمية؛ فعن ابن عمر - رضي الله عنهم -: «إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الكالئ بالكالئ» في سنن الدارقطني 3: 71، والموطأ 2: 797، والمستدرك 2: 65، وصححه الحاكم، وقال الدارقطني: ليس في هذا حديث يصح، لكنَّ إجماع الناس على أنَّه لا يجوز بيع دين بدين. ينظر: تلخيص الحبير 3: 26: أي النسيئة بالنسيئة.
الحادية عشر: أنَّ الأصل في المعاملات الإباحة ما لم تخالف نهي الشارع المبيّن في كتب أئمتنا الفقهاء:
إنَّ اعتبارَ أئمة الفقه قاطبةً أنَّ الأصلَ في المعاملات الإباحة مَيِّزةٌ كبيرةٌ جداً، فيه تيسيرٌ، ورفعٌ للحرج، وابتعادٌ عن التَّعقيدات والتَّقييدات، وهذا متوافقٌ مع كونِ المعاملات من التَّنظيمات.
ومعنى هذا أنَّ الذي يضع المعاملة هو المتخصِّص في الصناعة والتجارة وغيرها وليس الفقيه، فالفقيه أشبه ما يكون عملُه بالقانونيّ الذي ينظر في موافقةِ أنظمة المعاملة أو الشَّركة لقوانين الدَّولة وما هو الأنسبُ والأفضلُ منها بحفظِ الحقوق، ويكون عنده نوعُ مساعدةٍ في وضع العقود، لكن وضعها ابتداء فهو من قبل أهل كلِّ فنٍّ هي فيه.
وعمل الفقيه يتميّزُ أيضاً عن عملِ القانونيّ أنَّ المعاملةَ مع موافقتِهِا لنظام الدولة نحتاج أن تكون موافقةً للشريعة، وبحكم التراث الفقهي الضخم عبر التاريخ، والتجارب الهائلة في الدول المتعاقبة في الحكم بالشريعة، أصبحت لدى الفقه صوراً من العقودِ والمعاملاتِ لا تُعدُّ ولا تُحصى، فيستطيع أن يفيدَ منها مجتمعه والبشرية جمعاء.
وبالتَّالي يكون عملُ الفقيه تصحيحَ معاملات النَّاس بما لا يُخالف الشَّريعة، وتَحريرَ المُعاملة بما يحفظ حقّ جميع الأطراف، والسَّعي في تحقيقِ العدل بين المُتعاقدين، والتَّنقيحَ بما يجعلها أكثر نجاحاً وملائمةً للواقع، والإسهامَ في تطويرِها بحكمِ التجربةِ الواقعيةِ والتَّاريخية، والإبداعَ في معاملاتِ جديدةٍ مستفادة من تراث الأمة.
وعليه فإنَّ الأصلَ في المعاملات الإباحة حتى يدل الدليل على تحريمها، فكونها مباحة هو ما قامت عليه العديد من الأدلة الشرعية، فما لم يصرح فقهاؤنا بتحريم شرط وعقد ومعاملة؛ لمنع من قبل الشارع، لما يترتب عليها من المخاطر والمحظورات، فإنَّها تبقى على الأصل من الإباحة.
الثَّانية عشر: أنَّها مبنيّةٌ على العرف:
إنَّ أكثر قاعدة تُراعى في الفتوى والتَّطبيق هي النَّظرُ إلى عرف المجتمع، فيختلف الحكم من مكانٍ إلى مكانٍ وزمانٍ إلى زمانٍ على حسب ما يقتضيه عرف الناس، قال الجويني في نهاية المطلب في دراية المذهب 11: 382: «ومَن لم يمزج العرف في المعاملات بفقهها، لم يكن على حظٍّ كاملٍ فيها».
والعرفُ من أبرز أصول رسم المفتي الذي سنناقشه في الميزة التّالية، فهو من الجانب التَّطبيقي للفقه، وليس من الجانب الاستنباطي للحكم كما يظنه عامة المعاصرين.
الثالثة عشر: مراعاتها قواعد رسم المفتي:
إنَّ الأصول على نوعين:
1.أصول للمجتهد المطلق: يستنبط بها الأحكام من الكتاب والسنة والآثار، وهي المتمثلة بقواعد علم الأصول من القرآن والسنة والإجماع والقياس وغيرها.
2. أصول للمجتهد في المذهب: يطبق فيها الفقه على الأفراد والجماعات والمجتمعات، وهي المسمّاة بـ (قواعد رسم المفتي)، وهي المتمثلة: بالضرورة، والتيسير، ورفع الحرج، وتغير الزمان، والعرف، والمصلحة، وأشباهها.
وبعض هذه القواعد مؤثرة في تغير الحكم الشرعي: كالضرورة؛ لقوله - جل جلاله -: چ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ چ [الأنعام: 119].
فالحكم الشرعي له طرفان: طرف في كيفية استنباطه، ويكون بأصول الفقه، وطرف في كيفية تطبيقه، ويكون برسم المفتي.
وهذا الترتيب يعطي للمعاملات ميزة عظيمة جداً بمراعاة قواعد رسم المفتي عند تطبيقها، فيتحقق العدل المطلوب، والمطابقة المرجوة، قال ابن عابدين في نشر العرف 2: 123: «وكثيرٌ منها ما يُبَيِّنُه المجتهدُ على ما كان في عرفِ زمانه بحيث لو كان في زمان العرف الحادث لقال بخلاف ما قاله أوّلاً؛ ولهذا قالوا في شروط الاجتهاد: أنَّه لا بُدّ فيه من معرفةِ عادات الناس».
الرَّابعة عشر: استفادتها من اختلاف الفقهاء:
معلومٌ أنَّ الاستفادةَ من المذاهب الفقهيّة المعتبرة للمكلّف والمجتمعات والدُّول جائزةٌ بشروطٍ ليس هنا محلُّ بيانها، ففي موضع الضَّرورة يجوز لنا العمل بمذهب الغير؛ لاجتماع دليل الضرورةِ مع أدلّة الغير، فيتقوَّى على مذهبنا في حَقِّ هذه المسألةِ فجاز العمل به، وهذه توسعةٌ كبيرةٌ على الأمة، وهذه الاستفادة أكثر ما تظهر في المعاملات؛ لكونها تنظيم، فكل مذهب يسعى لتقديم تنظيم لنا، فما رأيناه أنسب للواقع وأكثر فائدة وإحكاماً أخذنا به.
لذا شاع وذاع على لسان كثير من السلف: أنَّ اختلاف الأئمة في الفروع هو ضرب من ضروب الرحمة، فروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اختلاف أمتي رحمة» قال العراقي تخريج أحاديث الإحياء 1: 74: «ذكره البيهقي في «رسالته الأشعرية» تعليقاً وأسنده في «المدخل» من حديث ابن عباس بلفظ «اختلاف أصحابي لكم رحمة»، وإسناده ضعيف».
والاطلاعُ على اختلافِ الفُقهاء في داخلِ المذهب وخارجه يوسعُ الصَّدر ويفتحُ المدارك، بحيث لا يتشدَّد الفقيه في مواضع الخلاف ولا يُنكر فيها، وإنَّما يتشدَّد فيما حَقُّه التَّشدد من مواضع الإجماع بين العلماء، وتكون فتواه فيها تسامحٌ وتيسيرٌ ورفعٌ للحرج على مقتضى ما قرَّرته الشريعة، قال ابن أبي عروبة - رضي الله عنه -: «مَن لم يسمع الاختلاف فلا تعدُّوه عالماً» في جامع بيان العلم 2: 815، والكامل 4: 449، والميزان 152، وسير أعلام النبلاء 6: 413.
فهذا الاختلافُ يستفيد منه الفقيه في حسنِ نظره للأُمور وموازنته لها، ويكون فيه سعة كبيرة على الأمة باختياره ما يُناسبها من أقوال الفقهاء، ونمى الفقه بسببه نمواً هائلاً فأفادنا كثيراً في المعاملات المتنوّعة والمستحدثة.
الخامسة عشر: لزوم شروط المتعاقدين ما لم تخالف مقتضى العقد ونهي الشارع الحكيم:
ومعنى مقتضى العقد: ما يقتضيه: أي ما عُقِد العقد من أَجل تحقيقِه، فهو مقصودُ العقد، فعندما يشترطُ شرطاً منافياً لهذا المقتضى، فإنَّ كلامَه تناقض، فمثلاً عقد البيع يقتضي التَّمليك وهو يشترط أن يبقى المبيعُ عنده مُدّةً من الزَّمن مثلاً، وهو يخالف تحقُّق التَّمليك الكامل الموجود في العقد، فيتناقض المقتضى مع الشَّرط، ولا شكّ بقوّة المقتضى على الشَّرط؛ لأنَّه ما قام عليه العقد لا ما أُضيف إليه.
وقد منع النبي - صلى الله عليه وسلم - من هذه الشروط في حديث بريرة رضي الله عنها عندما اشترط سيدها عند بيعها للسيدة عائشة رضي الله عنها أن يبقى الولاء، وهذا مخالف لمقتضى العقد من انتقال الملك للمشتري، والولاء تبع له؛ فعن عائشة رضي الله عنها دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت له، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اشتري وأعتقي، فإنَّ الولاءَ لمَن أَعتق، ثمّ قام النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - من العشي فأثنى على الله بما هو أهلُه، ثمّ قال: ما بال أناس يشترطون شروطاً ليس في كتاب الله، مَن اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطلٌ، وإن اشترط مئة شرط، وشرط الله أَحقّ وأَوثق» في صحيح البخاري 2: 756.
ومعنى الولاء: أنَّ العبدَ بعد عتقه يتحمّل سيده جنايته، ويرثه سيده إن لم يكن له عصبة من أبناء أو آباء أو أُخوة أو أعمام، فولاء العتاقة هو آخر العصبات؛ فعن ابن عمر - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: «الولاءُ لحمة كلحمة النَّسب، لا يُباع ولا يُوهب» في صحيح ابن حبان 11: 326، والمستدرك 4: 379، والمعجم الأوسط 2: 82، ومعجم الشيوخ 1: 312، وسنن البيهقي 6: 240.
ووجه دلالة الحديث السَّابق: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اعتبر أنَّ اشتراط شروطٍ مُخالفة لمقتضى العقد يُخالف إباحة القرآن للعقود المختلفة من البيع والنِّكاح والرَّهن وغيرها، فتكون شروطاً ليست في كتاب الله؛ لأنَّ الذي في القرآنِ هو العملُ بمقتضى هذه العقودِ مُطلقاً، وهو المتوافقُ مع ما اتفق عليه المتعاقدان ...
وهذه الشروط التي تكون مخالفة لمقتضى العقد منها ما يكون فيه منفعة للبائع: كاشتراطه عدم تسليم المبيع مباشرة، أو منفعة للمشتري: كاشتراطه خياطة الثوب الذي اشتراه، ومرَّ سابقاً أنَّ علّة هذه الشروط هي الربا والنزاع، فإن تعارفوا هذه الشروط انتفى الأمران وجازت.
وأما الشروط الموافقة لمقتضى العقد، مثل: اشتراط الرهن أو الكفالة أو غيرها مما يؤكد مقتضى العقد ويكون ملائماً له، فهي لا تفسد العقد، بل تثبته، فتكون داخلة في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «المسلمون عند شروطهم، إلا شرطاً حرم حلالاً، أو شرطاً أحل حراماً» في صحيح البخاري 2: 794 معلقاً، والمستدرك 2: 57، وسنن البيهقي الكبير 6: 79، واللفظ له، وسنن الدارقطني 3: 27، وشرح معاني الآثار 4: 90، وغيرها.
والشروط التي نهى عنها الشارع، مثل: أن يكون العقد ربا أو قماراً وأمثالها، فإنَّها ممنوعة.
وبالتالي تكون هذه ميزة للمعاملات، بأن يباح لك اشتراط ما تريد من الشروط وتكون
لازمة على الطَّرفين بشرط أن لا تكون مناقضة لما اقتضاه العقد أصلاً، حتى لا يتحقق
التناقض، إلا إن جرى عرف في ذلك.
السادسة عشر: دفع الضرر بفسخ العقد إن لزم منه:
فالعقد وجد لتحقيق المنفعة لا لجلب مضرّة، فإن لزمت منه مضرة لم يكن لازماً، وجاز فسخه، ويظهر هذا جلياً في الإجارات؛ إذ الأصل فيها: أنَّ كلَّ موضع لا يقدر العاقد على المضي في موجب العقد إلاّ بضرر، لم يلزمه العقد، فهو عذر في فسخه؛ لأنَّ الضرَّرَ مدفوعٌ شرعاً: كما لو استأجر؛ لقلع ضرسه، ثمّ زال الوجع، فإنَّه يتعذَّر المضي في العقد إلا بضرر، فلا يلزم هذا الضرر.
ومثاله المعاصر: لو أنَّه باع الحديد الذي في داخل بنائه أو أسلاك الكهرباء في داخل الجدران، فإنَّه لا يلزمه التَّسليم؛ لعظيم الضرر الواقع عليه، حيث يخسر أضعاف ما يربح بسبب هدمه للبناء أو إفساده، فلم يكن لازماً رغم الاتفاق، ويجوز لهما الفسخ.
السَّابعةَ عشرَ: مقصودُها تقديم أفضل وأحسن حلّ وهيئة للمعاملة الماليّة:
إنَّ المعاملات الإسلامية هي أفضلُ حلول تُقدَّمُ لتنظيم حياة النَّاس، وهذه هي نظرةُ الفقيه أثناء عملِه وتفكيرِه بتقريرِ المعاملة، وهذا تأكيد على معنى التَّنظيم الذي مَرَّ سابقاً.
وهذه النَّظرةُ تجعل الاختيار بين أقوال الفقهاء أوسع من غيرِه من الأبواب لا سيما العبادات؛ لأنَّ مسعاه هاهنا الحصول على أكمل وأتم وأحسن هيئة، فإن وجد مثلها في غير مذهبه أمكنه الاستفادة منه، فما كان من المذاهب أقدر على أحسن حل للمشكلة، وأيسر في التطبيق، وأنجح في الواقع، كان أجدر بأن يختار في العمل، حتى أننا لو رأينا هيئة أفضل لأي معاملة في أي قانون، فلا مانع لنا من الاستفادة منه ما لم يكن محظوراً.
وهذا الأمور التنظيمية تشبه الصناعات التي وُجِدت لتسهيل وتيسير الحياة البشرية، وليست حكراً على مجتمع دون مجتمع، بل يُمكن الاستفادةُ منها في كافة المجتمعات،
ولكن في المجتمعات المسلمة نحتاج عند أخذ أي معاملةٍ من غيرِ المسلمين أن نُصحِّحها ونُهذِّبَها بما يتلائم مع قواعدنا الفقهيّة وأحكام شريعتنا.
ولا يعني كلامي أن لا تكون المعاملات والأنظمة والقوانين غير مقعدة على مذهب معين، بل هو الأصل، وبدون ذلك ضياع وتشتيت، والمذهب لا يمنعنا من الاستفادة من غيره فيما فيه حاجة وضرورة ومصلحة وتيسير؛ لأنَّه يسعى لذلك في عملِهِ، فإن استطاع غيرُه أن يُقدِّم أفضل منه في التَّطبيق أشار إلينا علماء المذهب بالأخذ به، فالبناء والتأصيل لا بدّ له من مذهب واحد، وإن احتجنا إلى غيره في العمل والتطبيق فلا مانع منه.
الثامنة عشر: الأصل فيها الحريّة لا التقييد:
فإنَّ مبنى التَّعاملات ليس على المنعِ كما مرّ معنا في الإباحة، بل على الحريّة، فنعطيه حقّ أن يُسعِّرَ ويشتري ويبيع ويملك ويتملَّك كيفما شاء فلا نضع عليه موانع وقيود لا معنى لها، وإنَّما نمنع ما فيه إضرار عام بالمجتمع؛ لأنَّ المصلحةَ الخاصّة لا تُقدَّم على المصلحة العامّة، ومن أمثلة ذلك: المنع من الربا، أو القمار، أو المخالف للمصلحة العامة، أو بيعٍ غير مملوك، أو معدومٍ، أو لم يقبض، أو بيع دين بدين، أو جهالةٍ تفضي للنِّزاع، أو عقدين في عقد غير متعارفين، بحيث يسببان نزاعاً أو ربا.
وفيما عداها إجمالاً كان الميدان واسعاً في النَّشاط بحريّة تامّة، فإن منعنا من شيء أو قيدنا به كان لمصلحة ظاهرة تعود على الفرد أو المجتمع، حيث يكون التغليب للمصلحة العامة.
التاسعة عشر: تقسيمُ العقود إلى صحيح وباطل وفاسد ومكروه وغيرها:
إنَّ هذه ميزةٌ عظيمةٌ جدّاً لم تكن العقود فيها صحيح وباطل فحسب، بل جعلنا فيها الفاسد، وهو ما كان صحيحاً في أصله لا في وصفه على المشهور، بخلاف الباطل ما لم يكن صحيحاً لا بأصله ولا بوصفه.
ويهمنا هنا أنَّ الباطل حكمُه كالعدم، فلا نرتب عليه حُكماً، ويُعتبر كأنَّه لم يفعل أصلاً فلا يحصل فيه ملك.
وأمَّا الفاسد فيملك بالقبض ويصحّ التصرّف فيه، ويقسم إلى قسمين: متمكن وغير متمكن.
والمتمكِّن لا يلحقه التَّصحيح، بل يبقى لازماً فيه الفسخ، مثاله: شرط الربا في العقد، والأجل الفاحش في الثمن، مثل: هبوب الريح ونزول المطر، فلا يصح العقد بإلغاء الشرط، وإنَّما علينا تجديد العقد.
وغيرُ المتمكِّن يلحقُه التَّصحيح، بأن نرفعَ سبب الفساد فينقلب صحيحاً، مثاله: أي شُرط فيه منفعةٌ لأحد المتعاقدين أو الأجل غير الفاحش للثمن: كوقت الحصاد وقدوم الحاجّ، فإذا ارتفع شرط الفساد انقلب العقد صحيحاً.
وأمّا المكروه فالعقدُ فيه صحيحٌ، وإنَّما يلحقُه إثم؛ لما فيه من غرر وضرر، فقسمُ البيع الفاسد مُفيدٌ للغاية في حيويةِ العقود، وانقلابها من فاسدة إلى صحيحة بعد إزالة المفسد، وهذا يجعل لها ميزة كبيرة. ينظر: تمامه في المنهاج المفصل في المعاملات ص 23.
كتاب البيوع (¬1)
¬__________
(¬1) من مميزات المعاملات الفقهية: إنَّ هذا الإقبال الإسلامي والعالمي على دراسة المعاملات الشرعية لم يأت من فراغ، بل لِما امتازت به من خصائص عديدة تميزها عن غيرها، ومن تجربتي لسنوات طويلة في تدريس المعاملات عند السادة الحنفية من كتبهم الأصيلة، تحصَّلت لدي فكرةٌ عامّة عن المعاملات، تُمثِّل الخطوط العريضة التي يسلكها فقهاؤنا في تقرير أبواب المعاملات، وتعتبر أسباباً لنجاح المعاملات الشرعية في تلبية أغراض الناس.
وأحاول هاهنا عرضها بصورة مختصرة؛ لأنَّ تمام بيانها وتفاصيلها وأمثلتها تتحقق بدراسة الأبواب الفقهية المختلفة، فهي تمثل التصور العام والكلي للمعاملات عند الفقهاء، فيسهل على الطالب فهم البناء الفقهي لمسائل المعاملات.
وهذه الميزات متداخلةٌ فيما بينها، ومع ذلك أَفردت كلاً منها بنقطةٍ مستقلةٍ؛ لتميّزها عن غيرها، ولإظهارها وتسليطاً للضوء عليها أكثر، وهي:
الأولى: أنَّ المعاملات تنظيمية لا تربوية:
إنَّ التَّشريعَ الإسلامي له جانبان: تربويّ، وتنظيميّ.
أمّا التربويّ: فهو يتجسَّدُ بصورةٍ واضحةٍ في العبادات التي تسعى سعياً حثيثاً إلى الارتقاءِ بإنسانيةِ الإنسانِ إلى أَعلى مراتبها، وتخليصِهِ من الصفاتِ الحيوانيةِ الذميمة، فعلى قدر التزام المسلم بدينه يرتقي سلوكه وأخلاقه وتصرفاته إلى أعلى مستويات الإنسانية، ويؤكد ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» في سنن البيهقي الكبير 8: 4، وسنن الدارقطني 3: 304، وسنن أبي داود 2: 283، ومسند أحمد 2: 182، ومكارم الأخلاق ص 78، قال الحاكم: صحيح الإسناد. ينظر: خلاصة البدر المنير
2: 257، والعبادات هي المحقِّقةُ لأفضل المكارم الخلقيةِ بالتخلصِ من الصفاتِ الذميمةِ والإخلاصِ للهِ تعالى.
فمثلاً في الصلاة يتعود الإنسان على الإخلاص لله - جل جلاله - والتركيز الكامل في أفعال الصلاة أثناء أدائها وهو ما يسمّى الخشوع، ومن أعظم أسرار النجاح في أي عمل هو الإخلاص له، والتركيز الكلي فيه، فالمسلم يأخذ كل يوم خمسة دروس في ترسيخ هذا السلوك في شخصيته، بحيث يكون جزءاً من حياته، وَيُمَكِّنُه من النجاح الكامل في كل أموره.
والصلاة تنظم الأوقات للمسلم، وتعرّفه أنَّ كلَّ وقت له عمل، وهذا سبيلُ النّاجحين في حياتهم، فمَن كان أقدر على تنظيم وقته، وترتيب حياته، وجعل لكلِّ وقتٍ عملاً كان أنجح في حياته.
وبقي أمرٌ لا بُدّ من الحديث عنه، وهو أنَّ النّظريات التّربوية يتعرّف عليها بالتَّجربة؛ لأنَّها تتعامل مع طبيعة إنسانية وتقدم حلولاً لمشاكل فيها، ويظهر مع الزَّمن أنَّ هذه الحلول أكثر جدوى، فهي تقاس بالتجربة والتطبيق أكثر من قياسها بمنظور العقل في ترتيب النتائج على المقدمات، ولذلك تجد أنَّ العقل لا يدرك العبادات في نفسها في ترتب النتائج عليها، ولكن التجربة أثبتت أنَّها قادرة على تعديل سلوك الإنسان إلى ما هو أقوم وأفضل، فالله - جل جلاله - خلق الإنسان، وهو أعلمُ بحاله وبما يحسنُ تصرّفاته وأخلاقه.
وأمّا الجانب التّنظيمي في التّشريع: فهو يتمثّل في النّكاح والطّلاق والمعاملات والقضاء والسّير والمواريث وغيرها، ففيها يسعى الفقهاء إلى تقديم أفضل حلول للحياة الإنسانيّة، ومَن قدَّم لنا أفضل ممّا عندنا لن نتوانا في الاستفادة والأخذ منه؛ لأنَّ المقصود منها إيجاد أفضل حياة بشريّة.
والفقيهُ في تحقيق ذلك له نوران: نور العقل، ونور الشرع.
فأمّا نور العقل: فبه يبذل قصارى جهده في تقديم الطريق الأرشد والأفضل في حلّ المشاكل الحياتية، ويضيف إليه التجربة التّاريخية العميقة في هذا الجانب من قِبَل الفقهاء، ملاحظاً معرفة أهل الاختصاص في هذا الميدان، فما يقدمه غير المسلم في تنظيم الحياة الإنسانية لا يعدو كونه من نور العقل البشري، ومثلُه موجود بكماله عند الفقهاء ويُضاف إليه تجارب غيرهم من الفقهاء عبر التّاريخ حيث تعتبر مادة خصبة جداً من التجارب البشرية.
وأما نور الشرع: فهو يتمثَّل في أمور لا يُمكن للعقل إدراكها بنفسه لأوّل وهلة، وإنَّما تدرك بالنظر إلى آثارها بعد مدة مديدة، فالشرع اختصر علينا الطريق وعرّفنا بها ابتداء، فلا حاجة لنا إلى عملها حتى نتعرَّفَ على ضررها، ومثال ذلك:
تبرج المرأة والزنا يجر على المجتمع من الويلات ما لا يعلمه إلا الله - جل جلاله -، وهذا ظاهرٌ في المجتمعات الشرقية والغربية من انتشار الأمراض، وحرمان المرأة من حقِّها في الزاوج ـ نتيجة تحقيق الرجل رغبته بالزنا واستغنائه عن المرأة، ـ وخروج أجيال بلا أسرة تنتفع بتربيتها وتستمتع بحنانها، فمنعت الشريعة هذا السلوك ابتداء، لا بعد أن تتعذب أجيال بذلك ثم نكتشف هذه الحقيقة المرة.
وأيضاً: الرّبا، والقمار، وبيع الدين بالدَّين، وبيع ما لا تملك، ففيه من المضار التي علمت في هذا الزمان بسبب الكارثة الاقتصادية ما لا يخفى، فالشريعة عرفتنا بمضاره ابتداءً وإن كانت هذا المضار لا تدرك بالعقل إلا بآثارها بعد تطبيقه مدة من الزمان، لكن الله - عز وجل - لم يتركنا نتعذّب دهراً قبل أنّ نتوصّل إلى هذه الحقيقة، وقس على هذا غيرها من الأحكام الشرعية.
وعلى كلٍّ تسعى الشَّريعة إلى تنظيم الحياة البشريّة بهذين النُّورين، اللذين لا يوجدان بتمامهما عند غير المسلم المسترشد بنور الله - جل جلاله -، فيتوصَّل إلى أبدعِ تنظيمٍ وترتيبٍ لكلِّ جوانب حياته.
وملاحظةُ أنَّ المعاملات من الجانب التّنظيمي للإسلام أمرٌ في غايةِ الأهمية؛ لأنَّ تعاملنا معها على أنَّها تنظيماتٌ يُسهِّلُ علينا كثيراً فهم فروعها، ويُمكننا من تصورِها جيداً، ويُساعدنا في معرفةِ الرَّاجح فيها، ويُمكننا من تخريج المستجدات ـ كما سيأتي ـ.
الثانية: أنَّ أحكام المعاملات معلَّلة لا تعبديّة:
إنَّ المعاملات مبنيّةٌ على عللٍ يجب مراعاتها عند قراءة فروعها، والأحكام متعلِّقة بهذه المعاني، وما يذكره الفقهاء من مسائل هي أمثلةٌ لقواعد مقرَّرة في كلِّ باب من أبواب الفقه عامّة والمعاملات خاصّة؛ إذ من طريقتِهم في التَّأليف أنَّهم يذكرون القاعدة بالمثال، فمن فهم المثال وتصوَّر بناءه الصَّحيح، عرف القاعدة التي بُني عليها.
ومَن لم ينتبه لهذا وبقي يقرأ مسائل الفقه مجردةً عن كونها معلَّلة بمعاني وأصول، فلن يكون قادراً البتة على فهم الفقه، وغير قادر على ربط الفروع ببعضها، ومعرفة حكم المستجدات، فعلينا أن ندرك تماماً أنَّ ما بين أيدينا هي ألفاظ موصلة إلى معاني، والمعاني هي الغايات، فإنَّ هذه المعاني هي أسس وقواعد في كلّ باب بُنيت عليها الأحكام، وقد استنبطت من القرآن والسنة وآثار الصّحابة والقواعد العامّة التي آتى بها الإسلام واستفيدت من العقل السَّليم الذي يسير على المنهج المستقيم في تقدير الأُمور بما يعود على البشريّة بالنّفع والخير.
وكيفيّة القراءة الصّحيحة للمسائل هو بالسّؤال الدّائم قبل كلّ فرع لماذا هكذا؟ حتى يتبيّن لنا علّته، وكذلك نفعل مع النُّصوص الشرعية من القرآن والسنة بالسؤال لماذا هكذا؟ حتى ندرك علّتها.
فكل الأحكام معلَّلة بمعاني معتبرة علينا إدراكها من أجل فهمها جيداً وإمكانية الاستفادة منها، قال الآمدي في الإحكام 3: 264: « ... خلاف إجماع الفقهاء على أنَّ الحكم لا يخلو عن علّة».
الثَّالثة: أنَّها مبنيةٌ على تحقيق المصالح للبشر:
فمَن تأمّل في حِكَمِ التَّشريعِ يصل إلى أنَّها إما جالبة للمصالح، وإمّا دارئةٌ للمفاسد، وينبغي أن يكون هذا الأمر مُسلَّما؛ لكون الله - عز وجل - غنيّاً عن العباد وحكيماً، فلا يريد من تشريعاتِه إلا تحقيق الخير للبشريّة في المعاملات وغيرها، قال الشاطبيُّ في موافقاته 1: 148: «إنَّ القاعدةَ المقرَّرةَ أنَّ الشرائعَ إنَّما جيء بها لمصالح العباد، فالأمرُ والنهيُ والتخييرُ جميعاً راجعةٌ إلى حَظِّ المكلَّفِ ومصالحِه؛ لأنَّ اللهَ غنيٌّ عن الحظوظِ منزّه عن الأغراض».
فإنَّ إدراك هذه الحقيقة الكبيرة يورث الثقة الكاملة في أحكام المعاملات، والرغبة في الإقبال عليها علماً وعملاً، وإفناء العمر في الاستفادة من كنوزها وخيراتها؛ لينتفع الناس بهذه النعمة الكبرى عليهم؛ لأنَّ المرء يسعى في مصالحه، فإن علم أنَّ مصلحته متحققة بهذا فلن يدخر جهداً في السَّعي وراء تحقُّقها في حياته.
الرابعة: أنَّها تقوم على مبادئ عامّة:
النَّصوصُ الشَّرعيةُ الواردةُ في أبوابِ المعاملات أقلُّ بكثيرٍ من النُّصوص الواردة في العبادات، فلم تكثر الأحاديث فيها كما كثرت في العبادات، وليس مرجع هذا عدم اهتمام الشَّارع الحكيم بها، وإنَّما السَّبب هو كون العبادات غير معقولة المعنى؛ لأنَّها تربية، بخلاف المعاملات فإنَّها معقولة المعنى؛ لأنَّها تنظيم ـ كما سبق ـ.
وإنَّما كانت طريقةُ الشَّريعة فيها تأسيس قواعد عامّة تسير عليها المعاملات وتنضبط بها، فكانت إمكانية التطبيق فيها أكثر، ومرونة العمل أوسع، وقدرة الاجتهاد فيها أعظم، فمَن لم يكن يسير على أصولٍ محكمةٍ في الفقه، لن يستطيع المنافسة في أبواب المعاملات؛ لأنَّ ظواهر الأحاديث التي كان يَبني عليها كلامَه في العبادات لم تَعُد متوفرةً إلا قليلاً.
فعدم الانتباه لهذه الميزة العظيمة في المعاملات يربك المشتغل بها، والتفات الحنفية إليها أكثر من غيرهم هو الذي جعل أحكام المعاملات في مذهبهم سهلة في العمل والتطبيق، وجعل فيها تيسيراً كبيراً ورفعاً للحرج عن الناس؛ لأنَّهم يحتكمون فيها للمبادئ العامّة التي تظافرت عليها النصوص الشرعية.
ومن هذه القواعد: الرضا، وعدم الرّبا، وعدم القمار، وإزالة الجهالة، وغيرها، مما سيأتي تمام الكلام في مناقشته في الميزات الآتية.
الخامسة: أنَّها تقوم على أساس التراضي بين النَّاس:
يُمثلُ التَّراضي أبرز قاعدة بُنيت عليها المعاملات، ولو لم يكن في النصوص الشرعية إلا هذا الأساس في التعامل لكان كافياً للدلالة على عظم هذا التشريع، فهي تجري في كافة التصرُّفات التِّجارية مجرى الرُّوح في الجسد، فلا حياة لجسدٍ بلا روح، ولا اعتبار لمعاملةٍ بدون رضا.
قال - جل جلاله -: چ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ چ [النساء: 29]، إذ في الآية إباحة سائر التجارات الواقعة عن تراض، والتجارة اسم واقع على عقود المعاوضات المقصود بها طلب الأرباح؛ قال - جل جلاله -: چ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) چ [الصف: 10]، فسمّى الإيمان تجارةً على وجه المجاز تشبيهاً بالتجارات المقصود بها الأرباح، ينظر: أحكام القرآن للجصاص 2: 245، وغيره.
وأكد هذا المعنى الوارد في الآية النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «إنَّما البيع عن تراض» في سنن ابن ماجة 2: 727، وصحيح ابن حبان 11: 340، والسنن الكبرى للبيهقي 6: 29، وغيرها.
فخلو العقد عنها ابتداءً عند التعاقد أو بقاءً بعد التعاقد يسبب خللاً ظاهراً فيه يمنع من صحّة العقد، ويوجب الفسخ لفساده.
والرِّضا هو أكثرُ فكرةٍ مراعاةٍ في العقود، فعليها مدارُ التَّعاملات، فهي القاعدةُ العظمى والمرتكز الأساسي فيها، فتدخل في عامّة متعلّقات المعاملات من شروطٍ وخياراتٍ وعيوبٍ وجهالةٍ: كثبوتِ خيار العيب، فإن تبيّن أنَّ في المبيع عيباً ينقص قيمته عند التجار ولم يره المشتري عند البيع يثبت له الحق بردّ المبيع؛ إذ السلامة لما كانت مرغوبة للمشتري، ولم تحصل، فقد اختل رضاه، وهذا يوجب الخيار؛ لأنَّ الرضا شرط صحّة البيع، فانعدام الرضا يمنع صحة البيع، واختلاله يوجب الخيار فيه؛ إثباتاً للحكم على قدر الدليل؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن اشترى شاةً محفَّلة فردَّها فليرد معها صاعاً من تمر» في صحيح البخاري 2: 755، ومصنف عبد الرزاق 8: 198، وغيرهما، والصَّاعُ من التَّمر كأنَّه قيمة اللبن الذي حلبه المشتري، علمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بطريق المشاهدة.
السادسة: أنَّها تقوم على أساس رفع النزاع:
وهذه قاعدةٌ كبيرةٌ في المعاملات، يُعبَّر عنها كثيراً بعبارة: كلُّ جهالةٍ تُفضي إلى النِّزاع تُفسدُ البيع، فميزوا بين الجهالةِ المعفوةِ وغيرِ المعفوة بتحقُّقِ النِّزاع فيها، فعامّة الفروع في الفساد يعلِّلون فسادها بالجهالة أو بالنِّزاع.
والجهالةُ متفاوتةٌ جداً من زمانٍ إلى زمانٍ، ومكانٍ إلى مكانٍ، لكنَّ مردَّها إلى النزاع، فيكفينا مثلاً في بلدة أن نذكر في المبيع بعضَ الأوصاف وتكون كافيةً بعدم حصول التَّنازع، وفي بلدةٍ أُخرى لا يكفينا ذكر مثل هذه الأوصاف، فيحصل تنازع إن لم يبيِّن أكثر، فيكون البيع في البلد الذي لا يتنازعون صحيحاً وفي الآخر فاسداً.
فالنبي - صلى الله عليه وسلم -: «نهى عن بيع الغرر» في صحيح البخاري 2: 753، وصحيح مسلم 3: 1153، وصحيح ابن حبان 11: 327، وغيرها، قال الإمام السَّرَخْسِيّ في المبسوط 12: 117: «الغرر ما يكون مستور العاقبة»، فلا بد أن يكون ما في العقد واضحاً بيِّناً ومحدَّداً لكلِّ واحدٍ من المتعاقدين، وليس مردُّ الجهالة إلى النظرية والعقل، وإنَّما إلى الواقع والتطبيق، فكم من المسائل نحكم بجهالتها عقلاً، لكن لا يتنازعون فيها في الواقع، فلا نحكم بالفساد بسبب هذا الجهالة، كجواز بيع القمح في سنبله والباقلاء في قشره؛ لكونه معتاداً ولا يفضي للنزاع.
السَّابعة: أنَّها تقوم على أساس أخذ المال بالحقِّ دون الباطل:
فطرقُ الحصول على المال متعددةٌ، منها ما هو مشروع، ومنها ما هو غير مشروع، وما كان غيرَ مشروع منها ما هو محل توافق بين المجتمعات: كالسَّرقة، والخيانة، والغصب، ومنها ما تمنعه قوانين لدول وتبيحه أُخرى، على حسبِ ثقافاتٍ ومنافع ومَضارّ تُحدِّدها تلك الأنظمة.
وفي نظامنا الإسلامي أدخلنا فيه كلَّ ما كان مُضرّاً بالأفراد والمجتمع مما لا نفع فيه، ونجعله من المحظورات: كالربا، والقمار، والغناء، وثمن الخمر، وغيرها.
وأكَّد الشَّارعُ هذه الميِّزة بقوله - جل جلاله -: چ? ? ? ں ںچ [البقرة: 188]، ويُمكن ضبط ذلك بأنَّ كلَّ التَّصرُّفات الممنوعة شرعاً تكون من أكل المال بالباطل؛ لأنَّها منعت لما فيها من مفاسد، كالغاصب إذا أجر المغصوب، فالأجرة له، ولكن يتصدق به؛ لأنَّه حصل له بكسب خبيث. ينظر: المبسوط 5: 70.
الثّامنة: محاربة الربا والحض على الابتعاد عنه وعن شبهته:
وهذه ميزة عظيمة جداً؛ لأنَّ الربا مهلكة الاقتصاد؛ لما فيه من تضييع المجتمع في زيادة الفقير فقراً، وزيادة الغني غنىً، بتحقيقه للتضخم المستمر في أنواع السِّلع.
وتعريفُه العامّ: هو زيادةٌ خاليةٌ عن عوض، ينظر: المبسوط 12: 117، والتقرير 3: 116، فطالما أنَّه لا يوجد عوض لم يعد أخذه بحقّ، ولم يعد الرّضا بتمامِه موجوداً، بل أحدُ الطَّرفين منتفعٌ والآخرُ متضرر؛ لهذه الأسباب وغيرها وجدنا القرآن حارب الربا محاربة شديدة، فقال - جل جلاله -: چ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ چ [البقرة: 275].
فكان أثره السيء في التعاملات المالية كأثر الزنا في العلاقات بين الرجال والنساء، فكما مُنِع من كلِّ الطُّرق الموصلة للزّنا: كالتبرج والاختلاط، كذلك مُنِع من كلِّ الطُّرق الموصلة للرِّبا، فكانت شبهة الربا ملحقة بالربا في الحرمة؛ غلقاً لهذا الباب، وسدّاً لكلّ المنافذ الموصلة له؛ لخطورته الشديدة على المال.
التَّاسعة: لزوم العوض في مقابل عين أو منفعة:
القمار: هو تعليق أصل الاستحقاق على الحظّ ينظر: المبسوط 7: 75، وفتح القدير 9: 440، وعبارته: «أصل الاستحقاق في القمار يتعلق بما يستعمل فيه»، ومثله في البناية 11: 433، وغيرها؛ إذ لا يقابل المال فيه حقٌّ معتبر من منفعة أو عين.
والمقصود بالعين: الأعيانُ التي يُضاف إليها عقد البيع وأمثاله، والمقصودُ بالمنفعة: المنافعُ التي يُضاف إليها عقدُ الإجارة وأمثاله.
ففي العقودِ المعتبرةِ يكون المالُ مُستحقّاً بإزاءِ تقديمِ عينٍ أو منفعةٍ؛ لأنَّ بها تمام العدل في مقابلة الشيء بقيمته المتوافق عليه بين المتعاقدين، ويكون لازماً على كلِّ طرفٍ تقديم ما يلزم عليه قضاءً، بخلاف ما يكون قماراً، فكيف يلزم عليه أن يُقدِّمَ شيئاً ولم يأخذ في مقابلِهِ عوضاً، ولذلك لا يُقضى عليه به؛ لعدم استحقاقِهِ له، وهذا كمال العدل.
ونهى الله تعالى عن القمار في قوله: چ ? ? پچ [المائدة: 90]، والميسر: هو القمار مشتق من اليسر؛ لأنّه أخذ المال بسهولة من غير تعب ولا كدّ.
وصور القمار في هذا الزَّمان عديدة جداً: كاليانصيب، وكلِّ لعب يُحقِّق معناه، كالعديدِ من المسابقات التلفزيونية والإذاعية التي تعتمد على الحظّ؛ إذ يسألون سؤالاً سهلاً، وتلزم بدفع مال بطريق الاتصال ويفوز واحد ويخسر الباقون قيمة اتصالاتهم، ومثلُه كثير يحصل برسائل على الهاتف بطرق متعددة، يتلاعبون فيها بجمع المال، فالحذر الحذر من كلِّ هذا؛ لأنَّه قمارٌ، وهو مُحرَّم.
العاشرة: أنَّ العقود فيها حقيقيّة لا وهمية:
ونقصد بذلك أنَّها ليست مجرد مضاربات تحصل في البورصات وغيرها يُجنى من ورائها أرباح طائلة دون أن يكون فيها فائدة تعود على المجتمع بإنتاجِ عينٍ أو تقديمِ منفعةٍ، ولا يقف الأمر عند هذا الحدّ فحسب، بل يكون لها أثرٌ سلبيٌّ بحصول تضخم في الأسعار، مما يلحق ضرراً بليغاً بالمجتمعات لحساب أفرادٍ معيّنين، ممَّا جعل بعض الاقتصاديين يُطالب الدُّول إن أرادت أن تحل مشكلة التعثّر الاقتصادي أن تترك وتبتعدَ عن العقود الوهمية.
هذه الكيفيات لم تقبلها الشريعة، وحاربتها، وسلكت وسائل تجعل العقود حقيقية تعود بالنفع على الأفراد والجماعات بالإنتاج والعمل والاستثمار الحقيقي، فلا نريد عقداً بدون عين أو منفعة.
ومن أمثلةِ تحقيقِ الفقه لذلك:
1.المنع من بيع شيء لم يقبض، تأكيداً على تحقق العقد بانتقال المبيع ووجود الضمان له؛ فعن حزام بن حكيم بن حزام - رضي الله عنه - قال: «قلت: يا رسول الله، إنّي رجل أشتري المتاع فما الذي يَحِلّ لي منها وما يَحْرُم عليَّ؟ فقال: يا ابن أخي، إذا ابتعت بيعاً فلا تبعه حتى تقبضه» في صحيح ابن حبان 11: 358،361، وسنن النسائي الكبرى 4: 37، والمجتبى 7: 286، والمنتقى 1: 154، ومصنف ابن أبي شيبة 4: 387، ومصنف عبد الرزّاق 8: 43.
2.المنع من بيع السلعة قبل تملكها؛ مبالغة في حصول البيع بحق، وابتعاداً عن أسباب النزاع؛ فعن حكيم بن حزام - رضي الله عنه - قال: «أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقلت: يأتيني الرجل يسألني من البيع ما ليس عندي، أبتاع له من السوق، ثم أبيعه؟ قال: لا تبع ما ليس عندك» في جامع الترمذي 3: 534، وحسنه، وسنن أبي داود 3: 283، والمجتبى 7: 289، وغيرها.
3.إبطال عقد الصرف والسَّلَم إن لم يحصل تقابض في نفس المجلس، وجعل القبض فيها مستحقاً شرعاً؛ سعياً لإيجاد هذه العقود حقيقة، وخروجاً من أسباب النزاع بسبب التغير السريع في الأثمان؛ فعن أبي سعيد الخُدري - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائباً بناجز» في صحيح البخاري 2: 761، وصحيح مسلم 3: 1208، وغيرها.
4.المنع من بيع الدَّين بالدَّين إلا ممن عليه الدَّين، فلا يجوز بيع ديني على زيد لعمر مثلاً، وصوره عديدة، وكل هذا تحقيق لعقود حقيقية لا وهمية؛ فعن ابن عمر - رضي الله عنهم -: «إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الكالئ بالكالئ» في سنن الدارقطني 3: 71، والموطأ 2: 797، والمستدرك 2: 65، وصححه الحاكم، وقال الدارقطني: ليس في هذا حديث يصح، لكنَّ إجماع الناس على أنَّه لا يجوز بيع دين بدين. ينظر: تلخيص الحبير 3: 26: أي النسيئة بالنسيئة.
الحادية عشر: أنَّ الأصل في المعاملات الإباحة ما لم تخالف نهي الشارع المبيّن في كتب أئمتنا الفقهاء:
إنَّ اعتبارَ أئمة الفقه قاطبةً أنَّ الأصلَ في المعاملات الإباحة مَيِّزةٌ كبيرةٌ جداً، فيه تيسيرٌ، ورفعٌ للحرج، وابتعادٌ عن التَّعقيدات والتَّقييدات، وهذا متوافقٌ مع كونِ المعاملات من التَّنظيمات.
ومعنى هذا أنَّ الذي يضع المعاملة هو المتخصِّص في الصناعة والتجارة وغيرها وليس الفقيه، فالفقيه أشبه ما يكون عملُه بالقانونيّ الذي ينظر في موافقةِ أنظمة المعاملة أو الشَّركة لقوانين الدَّولة وما هو الأنسبُ والأفضلُ منها بحفظِ الحقوق، ويكون عنده نوعُ مساعدةٍ في وضع العقود، لكن وضعها ابتداء فهو من قبل أهل كلِّ فنٍّ هي فيه.
وعمل الفقيه يتميّزُ أيضاً عن عملِ القانونيّ أنَّ المعاملةَ مع موافقتِهِا لنظام الدولة نحتاج أن تكون موافقةً للشريعة، وبحكم التراث الفقهي الضخم عبر التاريخ، والتجارب الهائلة في الدول المتعاقبة في الحكم بالشريعة، أصبحت لدى الفقه صوراً من العقودِ والمعاملاتِ لا تُعدُّ ولا تُحصى، فيستطيع أن يفيدَ منها مجتمعه والبشرية جمعاء.
وبالتَّالي يكون عملُ الفقيه تصحيحَ معاملات النَّاس بما لا يُخالف الشَّريعة، وتَحريرَ المُعاملة بما يحفظ حقّ جميع الأطراف، والسَّعي في تحقيقِ العدل بين المُتعاقدين، والتَّنقيحَ بما يجعلها أكثر نجاحاً وملائمةً للواقع، والإسهامَ في تطويرِها بحكمِ التجربةِ الواقعيةِ والتَّاريخية، والإبداعَ في معاملاتِ جديدةٍ مستفادة من تراث الأمة.
وعليه فإنَّ الأصلَ في المعاملات الإباحة حتى يدل الدليل على تحريمها، فكونها مباحة هو ما قامت عليه العديد من الأدلة الشرعية، فما لم يصرح فقهاؤنا بتحريم شرط وعقد ومعاملة؛ لمنع من قبل الشارع، لما يترتب عليها من المخاطر والمحظورات، فإنَّها تبقى على الأصل من الإباحة.
الثَّانية عشر: أنَّها مبنيّةٌ على العرف:
إنَّ أكثر قاعدة تُراعى في الفتوى والتَّطبيق هي النَّظرُ إلى عرف المجتمع، فيختلف الحكم من مكانٍ إلى مكانٍ وزمانٍ إلى زمانٍ على حسب ما يقتضيه عرف الناس، قال الجويني في نهاية المطلب في دراية المذهب 11: 382: «ومَن لم يمزج العرف في المعاملات بفقهها، لم يكن على حظٍّ كاملٍ فيها».
والعرفُ من أبرز أصول رسم المفتي الذي سنناقشه في الميزة التّالية، فهو من الجانب التَّطبيقي للفقه، وليس من الجانب الاستنباطي للحكم كما يظنه عامة المعاصرين.
الثالثة عشر: مراعاتها قواعد رسم المفتي:
إنَّ الأصول على نوعين:
1.أصول للمجتهد المطلق: يستنبط بها الأحكام من الكتاب والسنة والآثار، وهي المتمثلة بقواعد علم الأصول من القرآن والسنة والإجماع والقياس وغيرها.
2. أصول للمجتهد في المذهب: يطبق فيها الفقه على الأفراد والجماعات والمجتمعات، وهي المسمّاة بـ (قواعد رسم المفتي)، وهي المتمثلة: بالضرورة، والتيسير، ورفع الحرج، وتغير الزمان، والعرف، والمصلحة، وأشباهها.
وبعض هذه القواعد مؤثرة في تغير الحكم الشرعي: كالضرورة؛ لقوله - جل جلاله -: چ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ چ [الأنعام: 119].
فالحكم الشرعي له طرفان: طرف في كيفية استنباطه، ويكون بأصول الفقه، وطرف في كيفية تطبيقه، ويكون برسم المفتي.
وهذا الترتيب يعطي للمعاملات ميزة عظيمة جداً بمراعاة قواعد رسم المفتي عند تطبيقها، فيتحقق العدل المطلوب، والمطابقة المرجوة، قال ابن عابدين في نشر العرف 2: 123: «وكثيرٌ منها ما يُبَيِّنُه المجتهدُ على ما كان في عرفِ زمانه بحيث لو كان في زمان العرف الحادث لقال بخلاف ما قاله أوّلاً؛ ولهذا قالوا في شروط الاجتهاد: أنَّه لا بُدّ فيه من معرفةِ عادات الناس».
الرَّابعة عشر: استفادتها من اختلاف الفقهاء:
معلومٌ أنَّ الاستفادةَ من المذاهب الفقهيّة المعتبرة للمكلّف والمجتمعات والدُّول جائزةٌ بشروطٍ ليس هنا محلُّ بيانها، ففي موضع الضَّرورة يجوز لنا العمل بمذهب الغير؛ لاجتماع دليل الضرورةِ مع أدلّة الغير، فيتقوَّى على مذهبنا في حَقِّ هذه المسألةِ فجاز العمل به، وهذه توسعةٌ كبيرةٌ على الأمة، وهذه الاستفادة أكثر ما تظهر في المعاملات؛ لكونها تنظيم، فكل مذهب يسعى لتقديم تنظيم لنا، فما رأيناه أنسب للواقع وأكثر فائدة وإحكاماً أخذنا به.
لذا شاع وذاع على لسان كثير من السلف: أنَّ اختلاف الأئمة في الفروع هو ضرب من ضروب الرحمة، فروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اختلاف أمتي رحمة» قال العراقي تخريج أحاديث الإحياء 1: 74: «ذكره البيهقي في «رسالته الأشعرية» تعليقاً وأسنده في «المدخل» من حديث ابن عباس بلفظ «اختلاف أصحابي لكم رحمة»، وإسناده ضعيف».
والاطلاعُ على اختلافِ الفُقهاء في داخلِ المذهب وخارجه يوسعُ الصَّدر ويفتحُ المدارك، بحيث لا يتشدَّد الفقيه في مواضع الخلاف ولا يُنكر فيها، وإنَّما يتشدَّد فيما حَقُّه التَّشدد من مواضع الإجماع بين العلماء، وتكون فتواه فيها تسامحٌ وتيسيرٌ ورفعٌ للحرج على مقتضى ما قرَّرته الشريعة، قال ابن أبي عروبة - رضي الله عنه -: «مَن لم يسمع الاختلاف فلا تعدُّوه عالماً» في جامع بيان العلم 2: 815، والكامل 4: 449، والميزان 152، وسير أعلام النبلاء 6: 413.
فهذا الاختلافُ يستفيد منه الفقيه في حسنِ نظره للأُمور وموازنته لها، ويكون فيه سعة كبيرة على الأمة باختياره ما يُناسبها من أقوال الفقهاء، ونمى الفقه بسببه نمواً هائلاً فأفادنا كثيراً في المعاملات المتنوّعة والمستحدثة.
الخامسة عشر: لزوم شروط المتعاقدين ما لم تخالف مقتضى العقد ونهي الشارع الحكيم:
ومعنى مقتضى العقد: ما يقتضيه: أي ما عُقِد العقد من أَجل تحقيقِه، فهو مقصودُ العقد، فعندما يشترطُ شرطاً منافياً لهذا المقتضى، فإنَّ كلامَه تناقض، فمثلاً عقد البيع يقتضي التَّمليك وهو يشترط أن يبقى المبيعُ عنده مُدّةً من الزَّمن مثلاً، وهو يخالف تحقُّق التَّمليك الكامل الموجود في العقد، فيتناقض المقتضى مع الشَّرط، ولا شكّ بقوّة المقتضى على الشَّرط؛ لأنَّه ما قام عليه العقد لا ما أُضيف إليه.
وقد منع النبي - صلى الله عليه وسلم - من هذه الشروط في حديث بريرة رضي الله عنها عندما اشترط سيدها عند بيعها للسيدة عائشة رضي الله عنها أن يبقى الولاء، وهذا مخالف لمقتضى العقد من انتقال الملك للمشتري، والولاء تبع له؛ فعن عائشة رضي الله عنها دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت له، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اشتري وأعتقي، فإنَّ الولاءَ لمَن أَعتق، ثمّ قام النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - من العشي فأثنى على الله بما هو أهلُه، ثمّ قال: ما بال أناس يشترطون شروطاً ليس في كتاب الله، مَن اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطلٌ، وإن اشترط مئة شرط، وشرط الله أَحقّ وأَوثق» في صحيح البخاري 2: 756.
ومعنى الولاء: أنَّ العبدَ بعد عتقه يتحمّل سيده جنايته، ويرثه سيده إن لم يكن له عصبة من أبناء أو آباء أو أُخوة أو أعمام، فولاء العتاقة هو آخر العصبات؛ فعن ابن عمر - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: «الولاءُ لحمة كلحمة النَّسب، لا يُباع ولا يُوهب» في صحيح ابن حبان 11: 326، والمستدرك 4: 379، والمعجم الأوسط 2: 82، ومعجم الشيوخ 1: 312، وسنن البيهقي 6: 240.
ووجه دلالة الحديث السَّابق: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اعتبر أنَّ اشتراط شروطٍ مُخالفة لمقتضى العقد يُخالف إباحة القرآن للعقود المختلفة من البيع والنِّكاح والرَّهن وغيرها، فتكون شروطاً ليست في كتاب الله؛ لأنَّ الذي في القرآنِ هو العملُ بمقتضى هذه العقودِ مُطلقاً، وهو المتوافقُ مع ما اتفق عليه المتعاقدان ...
وهذه الشروط التي تكون مخالفة لمقتضى العقد منها ما يكون فيه منفعة للبائع: كاشتراطه عدم تسليم المبيع مباشرة، أو منفعة للمشتري: كاشتراطه خياطة الثوب الذي اشتراه، ومرَّ سابقاً أنَّ علّة هذه الشروط هي الربا والنزاع، فإن تعارفوا هذه الشروط انتفى الأمران وجازت.
وأما الشروط الموافقة لمقتضى العقد، مثل: اشتراط الرهن أو الكفالة أو غيرها مما يؤكد مقتضى العقد ويكون ملائماً له، فهي لا تفسد العقد، بل تثبته، فتكون داخلة في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «المسلمون عند شروطهم، إلا شرطاً حرم حلالاً، أو شرطاً أحل حراماً» في صحيح البخاري 2: 794 معلقاً، والمستدرك 2: 57، وسنن البيهقي الكبير 6: 79، واللفظ له، وسنن الدارقطني 3: 27، وشرح معاني الآثار 4: 90، وغيرها.
والشروط التي نهى عنها الشارع، مثل: أن يكون العقد ربا أو قماراً وأمثالها، فإنَّها ممنوعة.
وبالتالي تكون هذه ميزة للمعاملات، بأن يباح لك اشتراط ما تريد من الشروط وتكون
لازمة على الطَّرفين بشرط أن لا تكون مناقضة لما اقتضاه العقد أصلاً، حتى لا يتحقق
التناقض، إلا إن جرى عرف في ذلك.
السادسة عشر: دفع الضرر بفسخ العقد إن لزم منه:
فالعقد وجد لتحقيق المنفعة لا لجلب مضرّة، فإن لزمت منه مضرة لم يكن لازماً، وجاز فسخه، ويظهر هذا جلياً في الإجارات؛ إذ الأصل فيها: أنَّ كلَّ موضع لا يقدر العاقد على المضي في موجب العقد إلاّ بضرر، لم يلزمه العقد، فهو عذر في فسخه؛ لأنَّ الضرَّرَ مدفوعٌ شرعاً: كما لو استأجر؛ لقلع ضرسه، ثمّ زال الوجع، فإنَّه يتعذَّر المضي في العقد إلا بضرر، فلا يلزم هذا الضرر.
ومثاله المعاصر: لو أنَّه باع الحديد الذي في داخل بنائه أو أسلاك الكهرباء في داخل الجدران، فإنَّه لا يلزمه التَّسليم؛ لعظيم الضرر الواقع عليه، حيث يخسر أضعاف ما يربح بسبب هدمه للبناء أو إفساده، فلم يكن لازماً رغم الاتفاق، ويجوز لهما الفسخ.
السَّابعةَ عشرَ: مقصودُها تقديم أفضل وأحسن حلّ وهيئة للمعاملة الماليّة:
إنَّ المعاملات الإسلامية هي أفضلُ حلول تُقدَّمُ لتنظيم حياة النَّاس، وهذه هي نظرةُ الفقيه أثناء عملِه وتفكيرِه بتقريرِ المعاملة، وهذا تأكيد على معنى التَّنظيم الذي مَرَّ سابقاً.
وهذه النَّظرةُ تجعل الاختيار بين أقوال الفقهاء أوسع من غيرِه من الأبواب لا سيما العبادات؛ لأنَّ مسعاه هاهنا الحصول على أكمل وأتم وأحسن هيئة، فإن وجد مثلها في غير مذهبه أمكنه الاستفادة منه، فما كان من المذاهب أقدر على أحسن حل للمشكلة، وأيسر في التطبيق، وأنجح في الواقع، كان أجدر بأن يختار في العمل، حتى أننا لو رأينا هيئة أفضل لأي معاملة في أي قانون، فلا مانع لنا من الاستفادة منه ما لم يكن محظوراً.
وهذا الأمور التنظيمية تشبه الصناعات التي وُجِدت لتسهيل وتيسير الحياة البشرية، وليست حكراً على مجتمع دون مجتمع، بل يُمكن الاستفادةُ منها في كافة المجتمعات،
ولكن في المجتمعات المسلمة نحتاج عند أخذ أي معاملةٍ من غيرِ المسلمين أن نُصحِّحها ونُهذِّبَها بما يتلائم مع قواعدنا الفقهيّة وأحكام شريعتنا.
ولا يعني كلامي أن لا تكون المعاملات والأنظمة والقوانين غير مقعدة على مذهب معين، بل هو الأصل، وبدون ذلك ضياع وتشتيت، والمذهب لا يمنعنا من الاستفادة من غيره فيما فيه حاجة وضرورة ومصلحة وتيسير؛ لأنَّه يسعى لذلك في عملِهِ، فإن استطاع غيرُه أن يُقدِّم أفضل منه في التَّطبيق أشار إلينا علماء المذهب بالأخذ به، فالبناء والتأصيل لا بدّ له من مذهب واحد، وإن احتجنا إلى غيره في العمل والتطبيق فلا مانع منه.
الثامنة عشر: الأصل فيها الحريّة لا التقييد:
فإنَّ مبنى التَّعاملات ليس على المنعِ كما مرّ معنا في الإباحة، بل على الحريّة، فنعطيه حقّ أن يُسعِّرَ ويشتري ويبيع ويملك ويتملَّك كيفما شاء فلا نضع عليه موانع وقيود لا معنى لها، وإنَّما نمنع ما فيه إضرار عام بالمجتمع؛ لأنَّ المصلحةَ الخاصّة لا تُقدَّم على المصلحة العامّة، ومن أمثلة ذلك: المنع من الربا، أو القمار، أو المخالف للمصلحة العامة، أو بيعٍ غير مملوك، أو معدومٍ، أو لم يقبض، أو بيع دين بدين، أو جهالةٍ تفضي للنِّزاع، أو عقدين في عقد غير متعارفين، بحيث يسببان نزاعاً أو ربا.
وفيما عداها إجمالاً كان الميدان واسعاً في النَّشاط بحريّة تامّة، فإن منعنا من شيء أو قيدنا به كان لمصلحة ظاهرة تعود على الفرد أو المجتمع، حيث يكون التغليب للمصلحة العامة.
التاسعة عشر: تقسيمُ العقود إلى صحيح وباطل وفاسد ومكروه وغيرها:
إنَّ هذه ميزةٌ عظيمةٌ جدّاً لم تكن العقود فيها صحيح وباطل فحسب، بل جعلنا فيها الفاسد، وهو ما كان صحيحاً في أصله لا في وصفه على المشهور، بخلاف الباطل ما لم يكن صحيحاً لا بأصله ولا بوصفه.
ويهمنا هنا أنَّ الباطل حكمُه كالعدم، فلا نرتب عليه حُكماً، ويُعتبر كأنَّه لم يفعل أصلاً فلا يحصل فيه ملك.
وأمَّا الفاسد فيملك بالقبض ويصحّ التصرّف فيه، ويقسم إلى قسمين: متمكن وغير متمكن.
والمتمكِّن لا يلحقه التَّصحيح، بل يبقى لازماً فيه الفسخ، مثاله: شرط الربا في العقد، والأجل الفاحش في الثمن، مثل: هبوب الريح ونزول المطر، فلا يصح العقد بإلغاء الشرط، وإنَّما علينا تجديد العقد.
وغيرُ المتمكِّن يلحقُه التَّصحيح، بأن نرفعَ سبب الفساد فينقلب صحيحاً، مثاله: أي شُرط فيه منفعةٌ لأحد المتعاقدين أو الأجل غير الفاحش للثمن: كوقت الحصاد وقدوم الحاجّ، فإذا ارتفع شرط الفساد انقلب العقد صحيحاً.
وأمّا المكروه فالعقدُ فيه صحيحٌ، وإنَّما يلحقُه إثم؛ لما فيه من غرر وضرر، فقسمُ البيع الفاسد مُفيدٌ للغاية في حيويةِ العقود، وانقلابها من فاسدة إلى صحيحة بعد إزالة المفسد، وهذا يجعل لها ميزة كبيرة. ينظر: تمامه في المنهاج المفصل في المعاملات ص 23.