تهذيب خلاصة الدلائل وتنقيح المسائل في شرح القدوري - صلاح أبو الحاج
كتاب السرقة
كتاب السرقة
وإذا سَرَقَ البالغُ العاقلُ عشرة دراهم أو ما يكون قيمتُه عشرة دراهم
كتاب السرقة (¬1)
(وإذا سَرَقَ البالغُ العاقلُ عشرة دراهم (¬2) أو ما يكون قيمتُه عشرة دراهم
¬__________
(¬1) لغةً: أخذ الشيء مِنَ الغير على وجه الخفية والاستسرار، وشرعاً: هي أخذُ مُكلّف خفية قدر عشرة دراهم مضروبة محرزة بمكان أو حافظ، ويعتبر أن تكون جيدة وانتفاء الشبهة، ولا يشترط أن تكون ملك رجل واحد بعد أن كانت سرقة واحدة، والمعنى اللغوي وهو الاستسرار مراعى فيها ابتداء وانتهاء إذا كانت بالنهار أو ابتداء لا غير إذا كانت بالليل، كما إذا نقب الجدار على الاستسرار وأخذ المال من المالك مكابرة جهراً؛ لأنَّه وقت لا يلحقه الغوث فيه، فلو لم يكتف بالخفية فيه ابتداء لامتنع القطع في أكثر السراق لا سيما في ديار مصر، بخلاف ما إذا كانت في النهار؛ لأنَّه وقت يلحقه الغوث فيه، وهي نوعان: الأولى: صغرى: يسارق فيها عين المالك أو من يقوم مقامه في الحفظ، وشرطها: أن تكون خفية على زعم السارق، حتى لو دخل دار إنسان فسرق وأخرجه من الدار وصاحب الدار يعلم ذلك والسارق لا يعلم أنَّه يعلم قطع، ولو كان السارق يعلم بأنَّ صاحب الدار يعلم ذلك لا يقطع؛ لأنَّه جهر، والثانية: الكبرى: يسارق فيها عين الإمام أو مَن يقوم مقامه في الآفاق؛ لأنَّه هو المتصدّي لحفظ الطرق، كما في التبيين 3: 212، وهي مسمّاة بقطعِ الطّريق، ويعتبرُ في كلِّ منهما أخذ المال خفية، لكن في الصّغرى عن عين المالك أو مَن يقوم مقامه كالمودِع والمستعير، وفي الكبرى عن عين الإمام الملتزمِ حفظ حقوق المسلمين وبلادهم، كما في الفتح 5: 390، لكن في المحيط ص 279: «هي أخذُ مال الغير على سبيل الخفية والاستسرار ابتداءً وانتهاءً».
(¬2) الأصلُ فيه: ما رُوِي عن ابن مسعود - رضي الله عنه -: «لا تقطع اليد إلاّ في دينار أو عشرة دراهم» في سنن الترمذي 4: 50، ومصنف عبد الرزّاق 10: 233، والمعجم الكبير 9: 351، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه - رضي الله عنهم -: «إنَّ قيمةَ المُجَن كان على عهدِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشرةُ دراهم» في مسند أحمد 2: 180، وعن ابن عبّاس وابن عمرو - رضي الله عنهم -: «كان قيمةُ المُجَن الذي قَطع فيه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عشرةُ دراهم» في شرح معاني الآثار 3: 163، ومعرفة السنن 14: 52، والسنن الصغير 7: 188، والمستدرك 4: 420، وصححه، والمعجم الكبير 11: 31، وسنن الدارقطني 3: 191، ومسند أبي يعلى 4: 375، وسنن النسائي الكبرى 4: 343، والمجتبى 8: 84، وعن أيمن - رضي الله عنه -: «لم تقطع اليد في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا في ثمن المُجن، وقيمة المجَن يومئذٍ دينار» في المجتبى 8: 82، وعن أمّ أيمن رضي الله عنها: قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقطعُ يد السّارق إلا في جحفة، وقوّمت على عهد رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ديناراً أو عشرة دراهم» في شرح معاني الآثار 3: 163، وعن رجلٍ مِن مزينة مرفوعاً: «ما بلغَ ثمنُ المُجَن قطعت يد صاحبه، وكان ثمنُ المُجَن عشرة دراهم» في مصنف ابن أبي شيبة، كما في الدراية ص 107، وتمامه في التعليق الممجد 3: 48.
واعترض هنا لوجوه:
الأول: أنَّ أخبار التّقدير بعشرة دراهمٍ أسانيدها ضعيفة، فلا ينبغي أن يعتبرَ هنا، وجوابه: أنَّه ليست جميع أسانيد جميعِ هذه الأخبار ضعيفة، مع أنَّ الضّعف ينجبرُ بكثرة الطّرق.
الثّاني: أنَّ هذه أخبار آحاد، وتقييدُ مطلقُ الكتاب، يعني قوله - جل جلاله -: چ ? ? ... چ المائدة: 38، بها خلافُ الأصول، وجوابه: أنَّ الآيةَ وإن كانت مطلقةً دالّة على وجوب القطعِ في مطلق السّرقة، وبه قالت الظّاهريّة، إلا أنَّه قد ثبتَ تقييدها بما تواترَ من الأحاديث، فإنَّ الأحاديث الدّالة على أنَّه لا يقطعُ في كلِّ سرقة بل له نصابٌ، بلغت مبلغَ التّواتر، وإن كان خصوص الأحاديث الواردةِ في التّقديرِ بالعشرة أو بما دونها آحاداً، وبالجملة ليس هاهنا تقييدُ القطع بالظنيّ، ونسخُ الإطلاق القرآنيّ بأَخبار آحاد، بل تقييدُ القطع بالقطعيّ، فإنَّ القدرَ المشتركَ مِنَ الأحاديثِ الدّالّةِ على التّقييدِ متواتر.
الثّالث: أنَّ أخبارَ التّقدير بالعشرةِ معارضة بما هو أصحّ منها، فعن ابن عمر - رضي الله عنهم -: «إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قطع في ثمنِ مُجنّ قيمتُهُ ثلاثةُ دراهم» في صحيح البخاري 6: 2493، وصحيح مسلم 3: 1315، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقطع السّارق إلاّ في ربعِ دينار» في صحيح البخاري 6: 2492، وصحيح مسلم 3: 1311، وجوابه: من وجهين:
أحدهما: إنَّ الأحاديثَ لمّا تعارضت في مقدارِ ما يقطعُ فيه السّارق أخذنا بالأكثر المتيقّن، وتركنا الأقلّ الغير المتيقّن.
وثانيهما: أنَّ أخبارَ التّقديرِ بالعشرةِ وإن كان أَكثرُها ضعيفاً أَورثت شبهةً في وجوبِ القطعِ في أقلّ من عشرة، وقد ثبتَ درءُ الحدودِ بالشُّبهاتِ على ما مَرَّ، فدرءنا الحدَّ عَمَّن سرقَ أقلّ من العشرة، وأوجبناه على مَن سرقها أو ما فوقها.
وبهذا ظهرَ لك دفعُ ما طعنَ به العوامّ على الحنفيّة من أنَّهم تركوا في هذا البابِ العملَ بأحاديثِ الصّحيحين، وهما أصحُّ الكتب بعد كتاب الله - جل جلاله -، وأخذوا بأخبارٍ ضعيفة، فاحفظْ هذا فإنَّه ينفعك في الدنيا وفي الآخرة، كما في عمدة الرعاية 4: 276.
وإذا سَرَقَ البالغُ العاقلُ عشرة دراهم أو ما يكون قيمتُه عشرة دراهم
كتاب السرقة (¬1)
(وإذا سَرَقَ البالغُ العاقلُ عشرة دراهم (¬2) أو ما يكون قيمتُه عشرة دراهم
¬__________
(¬1) لغةً: أخذ الشيء مِنَ الغير على وجه الخفية والاستسرار، وشرعاً: هي أخذُ مُكلّف خفية قدر عشرة دراهم مضروبة محرزة بمكان أو حافظ، ويعتبر أن تكون جيدة وانتفاء الشبهة، ولا يشترط أن تكون ملك رجل واحد بعد أن كانت سرقة واحدة، والمعنى اللغوي وهو الاستسرار مراعى فيها ابتداء وانتهاء إذا كانت بالنهار أو ابتداء لا غير إذا كانت بالليل، كما إذا نقب الجدار على الاستسرار وأخذ المال من المالك مكابرة جهراً؛ لأنَّه وقت لا يلحقه الغوث فيه، فلو لم يكتف بالخفية فيه ابتداء لامتنع القطع في أكثر السراق لا سيما في ديار مصر، بخلاف ما إذا كانت في النهار؛ لأنَّه وقت يلحقه الغوث فيه، وهي نوعان: الأولى: صغرى: يسارق فيها عين المالك أو من يقوم مقامه في الحفظ، وشرطها: أن تكون خفية على زعم السارق، حتى لو دخل دار إنسان فسرق وأخرجه من الدار وصاحب الدار يعلم ذلك والسارق لا يعلم أنَّه يعلم قطع، ولو كان السارق يعلم بأنَّ صاحب الدار يعلم ذلك لا يقطع؛ لأنَّه جهر، والثانية: الكبرى: يسارق فيها عين الإمام أو مَن يقوم مقامه في الآفاق؛ لأنَّه هو المتصدّي لحفظ الطرق، كما في التبيين 3: 212، وهي مسمّاة بقطعِ الطّريق، ويعتبرُ في كلِّ منهما أخذ المال خفية، لكن في الصّغرى عن عين المالك أو مَن يقوم مقامه كالمودِع والمستعير، وفي الكبرى عن عين الإمام الملتزمِ حفظ حقوق المسلمين وبلادهم، كما في الفتح 5: 390، لكن في المحيط ص 279: «هي أخذُ مال الغير على سبيل الخفية والاستسرار ابتداءً وانتهاءً».
(¬2) الأصلُ فيه: ما رُوِي عن ابن مسعود - رضي الله عنه -: «لا تقطع اليد إلاّ في دينار أو عشرة دراهم» في سنن الترمذي 4: 50، ومصنف عبد الرزّاق 10: 233، والمعجم الكبير 9: 351، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه - رضي الله عنهم -: «إنَّ قيمةَ المُجَن كان على عهدِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشرةُ دراهم» في مسند أحمد 2: 180، وعن ابن عبّاس وابن عمرو - رضي الله عنهم -: «كان قيمةُ المُجَن الذي قَطع فيه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عشرةُ دراهم» في شرح معاني الآثار 3: 163، ومعرفة السنن 14: 52، والسنن الصغير 7: 188، والمستدرك 4: 420، وصححه، والمعجم الكبير 11: 31، وسنن الدارقطني 3: 191، ومسند أبي يعلى 4: 375، وسنن النسائي الكبرى 4: 343، والمجتبى 8: 84، وعن أيمن - رضي الله عنه -: «لم تقطع اليد في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا في ثمن المُجن، وقيمة المجَن يومئذٍ دينار» في المجتبى 8: 82، وعن أمّ أيمن رضي الله عنها: قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقطعُ يد السّارق إلا في جحفة، وقوّمت على عهد رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ديناراً أو عشرة دراهم» في شرح معاني الآثار 3: 163، وعن رجلٍ مِن مزينة مرفوعاً: «ما بلغَ ثمنُ المُجَن قطعت يد صاحبه، وكان ثمنُ المُجَن عشرة دراهم» في مصنف ابن أبي شيبة، كما في الدراية ص 107، وتمامه في التعليق الممجد 3: 48.
واعترض هنا لوجوه:
الأول: أنَّ أخبار التّقدير بعشرة دراهمٍ أسانيدها ضعيفة، فلا ينبغي أن يعتبرَ هنا، وجوابه: أنَّه ليست جميع أسانيد جميعِ هذه الأخبار ضعيفة، مع أنَّ الضّعف ينجبرُ بكثرة الطّرق.
الثّاني: أنَّ هذه أخبار آحاد، وتقييدُ مطلقُ الكتاب، يعني قوله - جل جلاله -: چ ? ? ... چ المائدة: 38، بها خلافُ الأصول، وجوابه: أنَّ الآيةَ وإن كانت مطلقةً دالّة على وجوب القطعِ في مطلق السّرقة، وبه قالت الظّاهريّة، إلا أنَّه قد ثبتَ تقييدها بما تواترَ من الأحاديث، فإنَّ الأحاديث الدّالة على أنَّه لا يقطعُ في كلِّ سرقة بل له نصابٌ، بلغت مبلغَ التّواتر، وإن كان خصوص الأحاديث الواردةِ في التّقديرِ بالعشرة أو بما دونها آحاداً، وبالجملة ليس هاهنا تقييدُ القطع بالظنيّ، ونسخُ الإطلاق القرآنيّ بأَخبار آحاد، بل تقييدُ القطع بالقطعيّ، فإنَّ القدرَ المشتركَ مِنَ الأحاديثِ الدّالّةِ على التّقييدِ متواتر.
الثّالث: أنَّ أخبارَ التّقدير بالعشرةِ معارضة بما هو أصحّ منها، فعن ابن عمر - رضي الله عنهم -: «إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قطع في ثمنِ مُجنّ قيمتُهُ ثلاثةُ دراهم» في صحيح البخاري 6: 2493، وصحيح مسلم 3: 1315، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقطع السّارق إلاّ في ربعِ دينار» في صحيح البخاري 6: 2492، وصحيح مسلم 3: 1311، وجوابه: من وجهين:
أحدهما: إنَّ الأحاديثَ لمّا تعارضت في مقدارِ ما يقطعُ فيه السّارق أخذنا بالأكثر المتيقّن، وتركنا الأقلّ الغير المتيقّن.
وثانيهما: أنَّ أخبارَ التّقديرِ بالعشرةِ وإن كان أَكثرُها ضعيفاً أَورثت شبهةً في وجوبِ القطعِ في أقلّ من عشرة، وقد ثبتَ درءُ الحدودِ بالشُّبهاتِ على ما مَرَّ، فدرءنا الحدَّ عَمَّن سرقَ أقلّ من العشرة، وأوجبناه على مَن سرقها أو ما فوقها.
وبهذا ظهرَ لك دفعُ ما طعنَ به العوامّ على الحنفيّة من أنَّهم تركوا في هذا البابِ العملَ بأحاديثِ الصّحيحين، وهما أصحُّ الكتب بعد كتاب الله - جل جلاله -، وأخذوا بأخبارٍ ضعيفة، فاحفظْ هذا فإنَّه ينفعك في الدنيا وفي الآخرة، كما في عمدة الرعاية 4: 276.