اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

تهذيب خلاصة الدلائل وتنقيح المسائل في شرح القدوري

صلاح أبو الحاج
تهذيب خلاصة الدلائل وتنقيح المسائل في شرح القدوري - صلاح أبو الحاج

كتاب الأيمان

كتاب الأيمان
الأيمان على ثلاثة أضرب: يمين غموس، ويمين منعقدة، ويمين لغو.
كتاب الأيمان
(الأيمان (¬1) على ثلاثة أضرب: يمين غموس، ويمين منعقدة، ويمين لغو.
¬__________
(¬1) الأيمانُ جمع يمين، وهو مشتركٌ بين: اليد اليمنى، قال - جل جلاله -: چ وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) چ الواقعة: 27، والقوّة، قال - جل جلاله -: چ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) چ الحاقة: 45، والقسم، قال - جل جلاله -: چ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ چ التوبة: 12، وسمي القسم يميناً؛ لأنَّهم كانوا إذا تحالفوا تصافحوا بالأيمان تأكيداً لما عقدوا؛ ولأنَّ الحالف يتقوى بيمينه على تحقيق ما قرنه بها من تحصيل أو امتناع، كما في طلبة الطلبة ص 66، والقاموس 4: 280، والمغرب ص 515.
وشرعاً: تقوية الخبر بذكر الله أو التعليق، فمعنى بذكر الله: أي والله لأفعلن كذا، أو والله لا أفعل كذا، والتعليق: يعني تعليق الجزاء بالشرط نحو: إن فعلت فكذا، أو إن لم أفعل فكذا، أو إن دخلت الدار فأنت طالق أو أنت حرّ وما أشبه ذلك؛ لأنَّه التزم حكماً بالشرط، وله ولاية إلزامه، وهو ليس بيمين وضعاً، وإنَّما سُمِّي بها عند الفقهاء؛ لحصول ما هو المقصود من اليمين به، وهو الحمل على الشرط أو المنع عنه فكان يميناً، حتى لو حلف أن لا يحلف فحلف بالطلاق ونحوه حنث بالتعليق، كما في ردّ المحتار 3: 45، وعُرِّف شرعاً أيضاً: تقويةُ أحد طرفي الخبر بالمقسم به، كما في الملتقى 1: 538، وطرفا الخبر هما: الفعل والترك، قال صاحب الشُّرُنْبُلاليّة 2: 38، ومجمع الأنهر 1: 538: «هذا التعريف أولى من تعريف: تقوية الخبر ... ؛ لشموله الحلف بصفات الذات؛ ولكون التقوية لمتعلّق الخبر لا ذات الخبر».
وركنُ اليمين بالله تعالى: هو اللفظُ الذي يستعمل في اليمين بالله تعالى، وهو مركبٌ من المقسم عليه والمقسم به، والمقسم به له حالان:
أولاً: أن يكون صفة، بأن يذكر صفة متعارفاً عليها لله تعالى: كعزته وعظمته.
ثانياً: أن يكون اسماً، وله وجهان:
الأول: أن يكون محذوفاً، مثاله ما جاء في الحديث على لسان سيدنا سليمان - صلى الله عليه وسلم -: (لأطوفن الليلة على تسعين امرأة كلُّهن تأتي بغلام يقاتل في سبيل الله) في صحيح ابن حبان 10: 185، وسنن أبي داود 3: 231.
الثاني: أن يكون مذكوراً، وله صورتان:
1.أن يكون صريحاً، بأن يذكر اسماً من أسماء الله تعالى نحو الله، والرحمن.
2.أن يكون كناية، مما يكون اعتقاده كفراً مثلاً: كإن فعل كذا فهو يهودي، أو نصراني، أو مجوسي، أو بريء عن الإسلام، أو كافر، أو يعبد من دون الله، أو يعبد الصليب، أو نحو ذلك، فالحلف بهذه الألفاظ متعارفٌ بين الناس فإنَّهم يحلفون بها من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا من غير نكير ولو لم يكن ذلك حلفاً لما تعارفوه؛ لأنَّ الحلفَ بغير الله تعالى معصية، فدلَّ تعارفُهم على أنَّهم جعلوا ذلك كناية عن الحلف بالله - جل جلاله -، وإن لم يعقل وجه هذه الكناية، فوجه الكناية فيه كقول العرب: لله عليّ أن أضرب ثوبي حطيم الكعبة، إن ذلك جعل كناية عن التصدُّق في عرفهم وإن لم يعقل وجه الكناية فيه، كذا هذا، كما في البدائع 3: 8.
فلا بدّ في ركن اليمين بالله تعالى من ذكر اسم الله - جل جلاله - أو صفته.
وأمّا ركن اليمين بغير الله تعالى: ذكر شرط صالح وجزاء صالح.
ومعنى صلاحية الشرط: أن يكون معدوماً على خطر الوجود.
ومعنى صلاحية الجزاء: أن يكون الجزاء غالب الوجود عند وجود الشرط؛ ليتحقق الحمل أو المنع، وقد يكون متحقّق الوجود عند وجود الشرط كالتعليق بالملك وسببه، كما في التبيين 3: 107، والفتاوى الهندية 2: 51.
وشروط اليمين:
أولاً: أن يكون الحالف عاقلاً بالغاً مسلماً، فلا يصحّ يمين المجنون والصبيّ؛ لأنَّهما ليسا من أهل الإيجاب، ولأنَّ المقصود من اليمين البرّ تعظيماً لاسم الله - جل جلاله -، والكافر ليس من أهله؛ ولأنَّ الكفارة عبادة والكافر ليس من أهلها، كما في فتح باب العناية 2: 259، والبدائع 3: 11.
ثانياً: إمكان البرّ بها؛ فهو أن يكون المحلوف عليه متصوّر الوجود حقيقة عند الحلف، بأن يكون موجوداً عند حلفه، وهو شرط انعقاد اليمين فلا تنعقد على ما هو مستحيل الوجود حقيقة، ولا تبقى إذا صار بحال يستحيل وجوده، فلو قال: والله لأشربن الماء الذي في الكوز، فإذا لا ماء فيه لم تنعقد اليمين؛ لعدم شرط الانعقاد، وهو تصور شرب الماء الذي حلف عليه، كما في الدر المختار 3: 46، والهداية 5: 139، والتبيين 3: 135.
ثالثاً: أن تكون اليمين خالية عن الاستثناء، بنحو: إن شاء الله، أو إلا أن يبدو لي غير هذا، أو إلا أن أرى، أو إلا أن أحبّ غير هذا، أو إن أعانني الله، أو يسر الله، أو بمعونة الله، أو تيسيره، ونحو ذلك، فإن قال شيئاً من ذلك موصولاً لم ينعقد اليمين، وإن كان مفصولاً انعقدت، كما في الفتاوى الهندية 2: 52؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن حلف فقال: إن شاء الله فقد استثنى) في صحيح ابن حبان 10: 182، وسنن الدارمي 2: 242، وسنن أبي داود 3: 225، وسنن النسائي 3: 141، وقال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن حلف على يمين فقال: إن شاء الله، فقد استثنى، فلا حنث عليه) في سنن الترمذي 4: 108، وحسنه.
رابعاً: أن لا يكون فاصل من سكوت ونحوه، فلو قال شخص لآخر: قل بالله، فقال: مثله، ثم قال: لتأتين يوم الجمعة، فقال الرجل مثله، فلم يأت لا يحنث؛ لأنَّه بالحكاية والسكوت صار فاصلاً بين اسم الله تعالى وحلفه، كما في رد المحتار 3: 46، والفتاوى الهندية 2: 51.
وحكم اليمين:
أولاً: اليمينُ بالله تعالى أو بصفاته، قال الزيلعي في التبيين 3: 107: «واليمين بالله - جل جلاله - لا يكره، وتقليله أولى من تكثيره»، وقال السَّرَخسيُّ في المبسوط 8: 149: «لا بأس للإنسان أن يحلف مختاراً»؛ لأنَّه حلفَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غيرَ مرّة من غير ضرورة كانت له في ذلك؛ ولأنَّ الحلفَ بالله تعظيم له، وربّما ضمّ إلى يمينِهِ وصف الله تعالى بتعظيمِهِ وتوحيدِه، فيكون مُثاباً على ذلك، ولأنَّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - كان يحلف كثيراً، وقد كان يحلف في الحديث الواحد أيماناً كثيرة، ورُبَّما كرَّر اليمين الواحدة ثلاثاً، ولو كان هذا مكروهاً لكان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أبعدَ الناس عنه، كما في المغني 9: 387، قال - صلى الله عليه وسلم - في خطبة الكسوف: (والله يا أُمة محمد، ما أحد أَغير من الله أن يزني عبده، أو تزني أَمَته، يا أُمة محمد، والله لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً) في صحيح البخاري 1: 354، وعن أنس - رضي الله عنه -: (جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال فخلا بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: والذي نفسي بيده إنكم لأحب الناس إلي ثلاث مرات) في صحيح مسلم 4: 1948، وأما قوله - جل جلاله -: چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? چ البقرة: 224. قال الجصاص في أحكام القرآن 1: 482: «فيه وجهان: الأوّل: أن تجعل يمينه مانعة من البر والتقوى والإصلاح بين الناس، فإذا طلب منه ذلك قال: قد حلفت؛ فيجعل اليمين معترضة بينه وبين ما هو مندوب إليه أو هو مأمور به من البر والتقوى والإصلاح، فإن حلف حالف أن لا يفعل ذلك فليفعل وليدع يمينه ... والثاني: أن يكون قولُه - جل جلاله -: چ ? ? چ البقرة: 224 يريد به كثرة الحلف، وهو ضربٌ من الجرأة على الله تعالى وابتذال لاسمه في كلِّ حقٍّ وباطل؛ لأن تبرُّوا في الحلف بها وتتقوا المأثم فيها ... »، وقال السَّرَخْسيّ في المبسوط 8: 149: «وتأويل تلك الآية: أنَّه يجازف في الحلف من غير مراعاة البر والحنث».
ثانياً: يمين بغير الله تعالى، ويدخل فيها ما يلي:
الأول: تعليق الجزاء بالشرط، وهي مشروعة ولا تكره؛ لأنَّه ليس فيه تعظيم، بل فيه الحمل أو المنع مع حصول الوثيقة، لا سيما في زماننا، فيثق الخصم بصدق الحالف في التعليق بالطلاق وغيره مما ليس فيه حرف القسم، وإنَّما كانت الوثيقة فيه أكثر من الحلف بالله تعالى في زماننا؛ لقلة المبالاة بالحنث ولزوم الكفارة. أما التعليق فيمتنع الحالف فيه من الحنث خوفاً من وقوع الطلاق وغيره، وهذا التعليق وإن سمي عند الفقهاء حلفاً ويميناً لكنه لا يسمى قسماً، فإنَّ القسم خاص باليمين بالله تعالى، كما في البدائع 3: 2، وردّ المحتار 3: 722.
الثاني: الحلف بغير الله تعالى لا على وجه الوثيقة؛ كاليمين بالآباء، والأنبياء، والصوم، والصلاة، وسائر الشرائع، والكعبة، والحرم، وزمزم، ونحو ذلك، كقولهم: وأبيك وحياتك ولعمري وغيرها، كما في البدائع 3: 21، ورد المحتار 3: 705، حيث لا يلزمه بالحنث فيه شيء فلا يحصل به الوثيقة، بخلاف التعليق المذكور، فيحمل عليها النهي في الأحاديث، منها: (مَن كان حالفاً فليحلف بالله تعالى) في صحيح مسلم 3: 1276، وصحيح البخاري 2: 951، و (ألا إنَّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) في صحيح البخاري 6: 2449، فيكره الحلف بها للنهي الصريح عن الحلف بالآباء؛ لما فيه من مشاركة المقسم به لله تعالى في التعظيم.
الثالث: تحريم مباح على نفسه بلفظ: حرام عليّ كذا، أو عليّ حرام كذا: من طعام أو شراب أو ثياب أو زوجة أو غير ذلك، بأن قال: حرام عليّ ثوب كذا، أو علي حرام أكل فلان، وهكذا، فإنَّه باستباحته ومعاملته معاملة المباح بأن يأكل منه أو يلبسه يكفِّر عن يمينه، فهو بهذا التحريم لا يحرم عليه، كما سيأتي.
المجلد
العرض
79%
تسللي / 1775