اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

تهذيب خلاصة الدلائل وتنقيح المسائل في شرح القدوري

صلاح أبو الحاج
تهذيب خلاصة الدلائل وتنقيح المسائل في شرح القدوري - صلاح أبو الحاج

كتاب آداب القاضي

ويكون من أهل الاجتهاد، ولا بأس بالدخول في القضاء لمَن يَثق من نفسِه أنَّه يؤدّي فرضه
(ويكون من أهل الاجتهاد) (¬1)؛ لقول معاذ - رضي الله عنه -: «اجتهد برأيي» (¬2)، وأجازه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - على ذلك.
(ولا بأس بالدخول في القضاء (¬3) لمَن يَثق من نفسِه أنَّه يؤدّي فرضه) (¬4)؛ لأنَّ
¬__________
(¬1) من شرائط الفضيلة والكمال: أن يكون القاضي عالماً بالحلال والحرام وسائر الأحكام، قد بلغ في علمه ذلك حدّ الاجتهاد، عالماً بمعاشرة الناس ومعاملتهم، عدلاً ورعاً، عفيفاً عن التهمة، صائن النفس عن الطمع؛ لأنَّ القضاء هو الحكم بين الناس بالحقّ، فإذا كان المُقلَّد بهذه الصفات, فالظاهر أنَّه لا يقضي إلا بالحقّ، كما في البدائع 7: 2
(¬2) فعن رجل من أهل حمص من أصحاب معاذ عن معاذ - رضي الله عنه -: (أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لما بعثه قال: كيف تقضي؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم يكن كتاب؟ قال: أقضي بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: فإن لم تكن سنة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: أجتهد برأيي، قال: فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: الحمدُ لله الذي وفَّق رسول رسول الله) في مصنّف ابن أبي شيبة 6: 13، وسنن البيهقي الكبير 10: 114، وفي رواية: (بمَ تقضي يا معاذ؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنَّة رسوله، قال: فإن لم تجد؟ قال: اجتهدُ فيه برأيي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الحمدُ لله الذي وفَّق رسولَ رسولِه بما يرضى به رسوله) في سنن أبي داود 3: 313 وسنن الترمذي 3: 616.
(¬3) الجمع بين أحاديث الترغيب والترهيب يكون بالقيام على القضاء بما يستحقّه مِنَ الأمانة وعدم الظلم ومخافة الله في أن يجور على أحد، وأن يكون متولي القضاء من أهل ذلك؛ لمعرفة أحكامه وواجباته، فمن كان كذلك، كانت له أَحاديث الترغيب في الحض على توليه، وأحاديث الترهيب في مراقبة الله - جل جلاله - الدائمة في عمله، خوف أن يزل، وأما مَن لم يكن من أهله فنصيبه أحاديث الترهيب بترك الأمر إلى أهله، ومن أحاديث الترهيب: فعن بريدة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة: رجل قضى بغير الحق، فعلم ذاك، فذاك في النار، وقاض لا يعلم فأهلك حقوق الناس فهو في النار، وقاض قضى بالحقّ فذلك في الجنة) في سنن الترمذي 3: 613، والمستدرك 4: 101، وصححه، وعن عائشة رضي الله عنها، قال - صلى الله عليه وسلم -: (ليأتين على القاضي العدل يوم القيامة ساعة يتمنى أنَّه لم يقض بين اثنين في تمرة قط) في مسند أحمد 6: 75، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 4: 192: إسناده حسن، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن وَلِي القضاء أو جُعِل قاضياً بين الناس فقد ذبح بغير سكين) في سنن الترمذي 3: 614، وحسنه، والمستدرك 4: 103، وسنن أبي داود 3: 298، قال الطرابلسي في معين الحكام ص 8: «وهذا الحديثُ دليلٌ على شرف القضاء وعظيم منزلته، وأنَّ المتولِّي له مجاهدٌ لنفسه وهواه، وهو دليلٌ على فضيلة مَن قضى بالحقّ؛ إذ جعله ذبيح الحقّ؛ امتحاناً؛ لتعظم له المثوبة امتناناً».
(¬4) فترك الطلب ليس بشرط لجواز التقليد بالإجماع، فيجوز تقليد الطالب بلا خلاف؛ لأنَّه يقدر على القضاء بالحقّ، لكن لا ينبغي أن يُقلَّد؛ لأنَّ الطالبَ يكون متهماً؛ فعن أنس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن سأل القضاء وُكِّلَ إلى نفسه، ومَن أُجْبِرَ عليه ينزل إليه مَلَك يسدِّده) في سنن الترمذي 3: 613، وسنن أبي داود 3: 299، والمستدرك 4: 101، وصححه، وهذا إشارةٌ إلى أنَّ الطالب لا يوفق لإصابة الحق، والمجبر عليه يوفق، كما في البدائع 7: 2؛ لذلك يكره تحريماً السؤال بتولي القضاء؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (إنَّكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة) في صحيح البخاري 6: 2613، فمن طلب القضاء وأراده وحرص عليه وكل إليه وخيف عليه فيه الهلاك، ومن لم يسأله وامتحن به وهو كاره له خائف على نفسه فيه، أَعانه الله عليه، كما في معين الحكام ص 8، وأيضاً: فإنَّ في طلب القضاء إذلالاً وإهانة بالعلم؛ لأنَّ كلّ معرِّض مهان.
وهذا النهي عن سؤال تولي القضاء ليس على إطلاقه، بل مقيد بأن لا يتعيّن للقضاء، أما إن تعين بأن لم يكن أحد غيره يصلح للقضاء وجب عليه الطلب؛ صيانة لحقوق المسلمين ودفعاً لظلم الظالمين، كما في البحر الرائق 6: 298، فهذا النهي والكراهة لطلب القضاء هو ما اعتمدته متون المذهب، إلا أنَّ الطرابلسي في معين الحكام ص 10 تبعاً لابن فرحون في تبصرة الحكام ص 1: 17 والماوردي في الأحكام السلطانية ص 124 ذكر أنَّ طلب القضاء ينقسم خمسة أقسام، وهي:
1. ... الوجوب: وهو إذا كان مِنْ أهل الاجتهاد أو من أهل العلم والعدالة، ولا يكون هناك قاض أو يكون ولكن لا تحل ولايته، أو ليس في البلد من يصلح للقضاء غيره، أو لكونه إن لم يلِ القضاء وليه مَن لا تَحِلّ ولايتُه، وكذلك إن كان القضاء بيد مَن لا يحلّ بقاؤه عليه ولا سبيل إلى عزله إلا بتصدي هذا إلى الولاية، فيتعيّن عليه التصدّي لذلك والسعي فيه إذا قصد بطلبه حفظ الحقوق وجريان الأحكام على وفق الشرع؛ لأنَّ في تحصيله القيام بفرض الكفاية.
2. ... الإباحة: وهو أن يكون فقيراً وله عيال، فيجوز له السعي في تحصيله؛ ليسد خلته، وكذلك إن كان يقصد به دفع ضرر عن نفسه فيباح له أيضاً.
3. ... الاستحباب: وهو إذا كان هناك عالِم خَفِيَ علمه عن الناس، فأراد الإمام أن يشهرَه بولاية القضاء؛ ليعلم الجاهل ويفتي المسترشد، أو كان هو خامل الذكر لا يعرفه الإمامُ ولا الناس، فأراد السعي في القضاء؛ ليعرف موضع علمه، فيستحبّ له تحصيل ذلك والدخول فيه بهذه النية.
4. ... الكراهة: وهو أن يكون سعيه في طلب القضاء؛ لتحصيل الجاه والاستعلاء على الناس، فهذا يكره له السعي، ولو قيل: إنَّه يحرم كان وجهه ظاهراً؛ لقوله - جل جلاله -: چ ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? چ القصص: 83، ويُكره أيضاً إن كان غنياً عن أخذ الرزق على القضاء، وكان مشهوراً لا يحتاج أن يشهر نفسه وعلمه بالقضاء.
5. ... الحرمة: وهو أن يسعى في طلب القضاء وهو جاهل ليس له أهلية القضاء، أو يسعى فيه وهو مِنْ أهل العلم لكنَّه متلبس بما يوجب فسقه، أو كان قصده بالولاية الانتقام مِنْ أعدائه، أو قَبول الرشوة مِنَ الخصوم وما أشبه ذلك مِنَ المقاصد، فهذا يحرم عليه السعي في القضاء، ومثل هذه القسمة الخماسية في الاختيار 2: 99.
المجلد
العرض
87%
تسللي / 1775